المصدر: المدن
الكاتب: لوسي بارسخيان
الأربعاء 25 شباط 2026 16:34:11
على وقع القرار رقم (31) الصادر عن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا، والذي حظّر دخول شاحنات النقل البري "الأجنبية" إلى أراضيها متى كانت وجهتها النهائية سوريا، انعقد أمس اجتماع وزاري في السراي الحكومي لمواكبة تداعياته. إلا أن الاجتماع لم يرشح عنه أي موقف رسمي أو بيان مشترك يحدد وجهة التعاطي اللبناني مع القرار السوري، واكتفى بتأكيد وقوف الدولة خلف مالكي الشاحنات اللبنانيين ونقاباتهم، وتأييدها لكل ما يؤيدونه، ومن ضمنه مبدأ "المعاملة بالمثل".
هذا المشهد أعاد تسليط الضوء على واقع التعاطي اللبناني مع القرار 31، الذي اتخذته دمشق ونفذته خلال ساعات، فيما لا يزال الجانب اللبناني يتعامل مع تداعياته من دون قرار رسمي واضح، مكتفياً بإدارة التفاوض على الاستثناءات، وتحت ضغط نقابة مالكي الشاحنات والأمر الواقع الذي فرضه الجانب السوري.
استجابة للأصوات النقابية
تضع سوريا قرارها، الذي لا يشمل الشاحنات "الأجنبية" التي تعبرها في إطار تجارة الترانزيت، في إطار حماية أسطولها من الشاحنات والبرادات، والاستجابة للأصوات النقابية التي ارتفعت جراء حالة الركود الطويلة التي يعانيها مالكو وسائقو هذه الشاحنات. فوفقًا لما نقل عن آخر اجتماع لبناني - سوري مشترك عقد في جديدة يابوس برئاسة مدير عام الجمارك فادي البراك عن الجانب السوري، ومدير عام النقل البري والبحري الدكتور تامر أحمد عن الجانب اللبناني فإنه "من بين أربعين ألف شاحنة في سوريا، هناك 11 ألف شاحنة فقط تعمل حتى الآن". وبالتالي أعرب المفاوض السوري عن قناعته بأن القرار مفيد للسائقين، سواء أكانوا لبنانيين أم سوريين.
من حق سوريا طبعًا تطبيق أي قرار يعيد برأيها هيكلة قطاع النقل لديها، بعد سنوات الحرب والعقوبات. إلا أن صرخة سعيد عكست مأخذ المعنيين بهذا القطاع في لبنان، على دولتهم التي لم تتمكن حتى الآن من تسطير أي قرار "رسمي"، يترجم "السيادة الاقتصادية". بل اكتفت برأيهم بالتعامل مع ترددات القرار 31 بالقطعة، مع محاولة مستمرة لانتزاع "استثناءات" ستطبق بالتوازي والمساواة بين البلدين، وتحت ضغط مالكي الشاحنات اللبنانيين، والأمر الواقع الذي فرض من الجانب السوري.
المعاملة بالمثل
لم يسمح الاجتماع الوزاري الذي انعقد يوم أمس الثلاثاء برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري في المقابل، بتغيير هذه الانطباعات التي سادت لدى المنتمين إلى نقابة مالكي الشاحنات. فهو كما قرأه الحسين لم يأت بأي تطور، بدليل أنه لم يرشح عنه ولو بيان رسمي مشترك. بل خلص الاجتماع الذي ضم أيضًا وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، وزير الأشغال والنقل فايز رسامني، وزير العمل محمد حيدر، ووزير الزراعة نزار هاني، إلى جانب مدير عام الأمن العام ومدير عام النقل والمديرة العامة للجمارك، إلى تأكيد المؤكد لناحية وقوف الدولة خلف مالكي الشاحنات ونقاباتهم وتأييدها لكل ما يؤيدونه، ومن ضمنه "المعاملة بالمثل".
هذه الأجواء نقلها المجتمعون إلى نقابة مالكي الشاحنات اللبنانيين. في مقابل البحث بانتزاع مزيد من الاستثناءات من الجانب السوري، تسمح بدخول بعض أنواع البضائع بشاحنات البلد المصدّر. والسلة وفقًا لما أكده مصدر مشارك في الاجتماع ستشمل لائحة أكبر من تلك التي حددت، والتي باتت تضم حتى الآن: المواد المحمّلة ضمن صهاريج، المواد الخطرة، الإسمنت، المواد الأولية لصناعة الإسمنت، وأي مواد أخرى يتبيّن أن طبيعتها لا تتحمّل المناقلة ولا سيما الأدوية، الإلكترونيات، الزجاج الخام، الآلات الثقيلة، البضائع الدكما، المساعدات لمنظمات إنسانية، والبضائع المبرّدة بحرارة صفر وما دون. علمًا أن الدولة اللبنانية لا تزال تنتظر رد سوريا على استثناء الأفوكادو، الموز والعنب، والسماح بتصدير كمياتها إلى سوريا بشاحنات لبنانية، بمقابل موافقتها على تحميل أنواع من الخضار إلى أراضيها بشاحنات سوريا.
ازدواجية معايير
ولكن هذه النتيجة على ما يبدو لم تكن كافية بالنسبة للمعنيين بقطاع نقل البضائع ونقابتهم. بل انتظر هؤلاء أن يبت الاجتماع الوزاري تحديدًا في مسألة البضائع المنقولة من المناطق الحرة في البلدين. حيث كانت الاعتراضات قد ارتفعت جراء ما اعتبر "ازدواجية معايير" في تطبيق القرار 31. إذ وضعت السلطات الحدودية السورية البضائع المنقولة من منطقتها الحرة المشتركة مع الأردن عند معبر نصيب، في خانة نقل الترانزيت إلى لبنان. بينما اعتبرت أن البضائع المنقولة إلى سوريا من المناطق الحرة اللبنانية، سواء في مرفأ بيروت أو طرابلس، خاضعة للقرار 31، طالما أن وجهتها النهائية هي سوريا.
وهذه الازدواجية اعتبرتها نقابة مالكي الشاحنات مخلة بمبدأ "المعاملة بالمثل". علمًا أنه في مقابل تأكيد مدير عام النقل في أكثر من مناسبة، بأن الدولة تقرر ما يقرره السائقون حول مسألة عبور الشاحنات من المناطق الحرة، فقد استمهل الجانب السوري الوفد اللبناني الذي التقاه مطلع الأسبوع في جديدة يابوس، حتى يوم الاثنين المقبل حتى يتخذ قراره بشأن الاستثناءات المطلوبة، كما بشأن البضائع المحملة من المناطق الحرة في البلدين. وقد وافقت الجمعية العمومية لنقابة مالكي الشاحنات على هذه المهلة، مع تأكيدها بأنها غير قابلة للتمديد.
وعليه سيعتبر يوم الاثنين المقبل حاسمًا بالنسبة لنقابة مالكي الشاحنات لجهة اتخاذ القرار بالعودة إلى إقفال معبر المصنع الحدودي أمام الشاحنات السورية التي لا تزال تدخل إلى لبنان باستثناءات متفق عليها أم لا. بانتظار نتائج الاجتماع المرتقب مع الجانب السوري، والذي لم يجر التواصل بين الطرفين لتحديد موعده بعد.
في الأثناء لا ينفي النقيب الحسين، وقع قرار سوريا الإيجابي على مالكي الشاحنات. ويرى أن هذه الايجابية ترجمت خصوصًا بالدورة المكتملة التي حققتها الشاحنات من خلال تحميلها بالبضائع من وإلى جديدة يابوس. بينما كان يمنع على الشاحنات التي تدخل بالبضائع إلى سوريا سابقًا، أن تعود منها محملة، خلافًا لواقع الشاحنات السورية التي كانت تعامل في لبنان أسوة بالشاحنات اللبنانية.
هذا الواقع عرضه مدير عام النقل احمد تامر على الجانب السوري خلال الاجتماع الأخير، كنقطة ضعف إضافية للقرار 31. وأوضح تامر بالأرقام كيف كانت الشاحنات السورية تعود من لبنان محملة مئة بالمئة، بينما هي حرمت من هذا الإمتياز حاليًا.
علمًا أن مقاربة الجانب اللبناني لقطاع النقل تختلف تماما عن مقاربة الجانب السوري. فأولوية سوريا كما أكدت في أكثر من مناسب هي حماية أسطول شاحناتها. بينما تقترب مقاربة لبنان من مقاربة الهيئات الاقتصادية في البلدين، والتي عبر عنها بيان غرفة تجارة دمشق الرافض للقرار 31، لما يفرضه برأي الجانب اللبناني من تغير في مسارات التجارة وبالتالي ارتفاع في كلفة النقل.
في الخلاصة، يبدو أن القرار 31 وتطبيقاته مفتوحة على مزيد من الترددات داخل لبنان، لا سيما بعدما كشفه عن عجزٍ في إنتاج موقف وطني اقتصادي سيادي واضح في مواجهة قرار سيادي سوري، اتُّخذ ونُفِّذ خلال ساعات. والاثنين المقبل قد يكون مفصليًا في تحديد ما إذا كان معبر المصنع سيتحول ورقة ضغط متبادلة، أم يشكل عنوانًا لاختلال أوسع في ميزان القرار الاقتصادي بين البلدين.