المصدر: المدن
الكاتب: بثينة عوض
الثلاثاء 15 أيلول 2026 02:23:45
فجر الحادي والعشرين من آب/ أغسطس عام 2013 لم يكن يوماً عادياً في حياتنا نحن السوريين، وفي حياة سكان دمشق على وجه الخصوص. أتذكر أنني سهرت حتى ساعات الصباح على شرفة منزلي في حي التجارة، كما كنت أفعل كثيراً في تلك الفترة، أستمع إلى أصوات القذائف والرصاص القادمة من جهة جوبر، أصوات أصبحت جزءاً من يوميات المدينة حتى كدنا نعتاد ما لا يمكن لإنسان أن يعتاده، فيما كنت أفكر كيف تستطيع مسافة قصيرة أن تغير مصائر الناس، وكيف يمكن لساحة العباسيين، التي أحببتها دائماً، أن تكون الفاصل بين حياتين مختلفتين تماماً، واحدة نجلس فيها خلف نوافذنا، وأخرى يعيش أهلها تحت القصف في جوبر وعين ترما وزملكا.
دفعت الطعام من أمامي يومها، كأنني أعاقب نفسي على قدرتي على الجلوس هناك، بينما آخرون لا يملكون هذا الترف، ولم أكن أعرف أن المسافة التي كنت أفكر فيها ستصبح بعد ساعات قليلة جزءاً من واحدة من أكثر ليالي الحرب السورية رعباً، وأن أسماء بلدات قريبة جداً من منزلي ستدخل بعد ذلك تقارير الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وملفات المحاكم والتحقيقات الدولية.
بعد ساعات من المعارك، تسللت إلى المنزل رائحة غريبة وواخزة، أصابنا معها سعال، فقمنا بإغلاق النوافذ بإحكام. لم نكن نعرف مصدرها، ولا أستطيع اليوم، بعد كل هذه السنوات، أن أجزم بعلاقتها بالهجوم الذي وقع في الغوطة، فالسارين الذي أثبتت التحقيقات الدولية استخدامه لا يمكن التعرف إليه بمجرد الرائحة، لكنني أتذكر تماماً إحساس الخطر الذي لم يكن له اسم بعد.
ثم أتذكر فتح التلفزيون ومشاهدة الصور الأولى لأطفال ونساء ورجال ممددين على الأرض، أجساد بلا جروح واضحة، ومسعفين يحاولون إنقاذهم بالماء والأوكسجين، وخبراً يتكرر بسرعة: هجوم كيميائي واسع على الغوطة الشرقية ومعضمية الشام.
كانت تلك، بالنسبة إليّ، المرة الأولى التي أدرك فيها ماذا يعني أن يُستخدم السلاح الكيميائي ضد مدينة أعرف شوارعها وأحياءها. كنت قد سمعت قذائف الهاون وشاهدت آثار القصف وسمعت عن البراميل المتفجرة التي كانت تُلقى على مناطق مدنية بدقة تكاد تكون معدومة، لكن الموت هذه المرة بدا مختلفاً، لا حفرة هائلة ولا بناية منهارة بالضرورة، بل هواء يتحول إلى قاتل.
شهادة طبية
لكن هناك جانباً آخر من القصة ما زال يحتاج إلى التنقيب، يتعلق بما جرى للضحايا بعد نقلهم من مناطق القصف.
طبيب شرعي سوري يروي لـِ "المدن" الأعراض التي شاهدها لدى المصابين، من التشنجات إلى خروج الزبد من الفم واضطرابات التنفس، ما جعل الشك باستخدام مواد كيميائية حاضراً منذ اللحظات الأولى.
ويروي الطبيب أيضاً وقائع أشد خطورة، بينها نقل جثث من مجازر أخرى، والتلاعب بمصادر بعض الجثامين ووضعها مكان ضحايا الغوطة، إضافة إلى حديثه عن إرسال بعض الناجين إلى قسم أُحدث داخل المستشفيات العسكرية إبان الثورة، وعُرف، وفق شهادته حينها، باسم "الإسعاف البديل"، حيث يقول إن بعضهم كان يُقتل.
لا تتوفر حتى الآن، في المصادر الدولية التي اطلعت عليها، أدلة مستقلة تكفي لتحويل هاتين الروايتين تحديداً إلى حقيقة نهائية، ولذلك تبقيان شهادتين تستحقان البحث عن شهود آخرين ووثائق وسجلات طبية تؤكدهما أو تنفيهما، لكن السياق الأوسع الذي تتحدث عنه ليس غريباً عن سنوات الحرب، فقد وثقت منظمات حقوقية منذ بدايات الثورة اعتقال وتعذيب مصابين داخل مستشفيات حكومية وعسكرية، واستخدام المؤسسات الصحية جزءاً من أجهزة القمع.
ويضيف الطبيب أن الطيار الذي قام برمي المواد الكيميائية على السكان أخذ ما يسمى "ترياقاً" ضد المادة الكيميائية نفسها، حسب درجتها وشدتها.
ما الذي حدث في ذلك الفجر؟
بعد أسابيع، لم يعد الأمر مجرد روايات لسكان مذعورين أو صور متداولة على الإنترنت، فقد دخل محققو الأمم المتحدة المناطق المستهدفة، وجمعوا عينات طبية وبيئية، وفحصوا بقايا الصواريخ، والتقوا ناجين وأطباء ومسعفين، وانتهوا إلى وجود أدلة واضحة ومقنعة على استخدام غاز السارين بواسطة صواريخ أرض-أرض في عين ترما وزملكا ومعضمية الشام، فيما أظهرت التحاليل التي أُجريت على عينات الدم تعرض أعداد من الضحايا لعامل الأعصاب السام.
لم تكن بعثة الأمم المتحدة مخولة في ذلك الوقت بتحديد الجهة التي أطلقت الصواريخ، بل بإثبات استخدام السلاح الكيميائي، وهي نقطة تستحق التوضيح لأن الجدل حولها استُخدم طويلاً لإرباك النقاش حول المسؤولية، إلا أن التحقيقات المستقلة التي درست نوع الذخائر واتجاهاتها والقدرات العسكرية المتاحة خلصت إلى نتائج أكثر وضوحاً، تشير بقوة إلى مسؤولية القوات الحكومية السورية، مستندة إلى أنظمة الصواريخ المستخدمة، ومنها صواريخ من عيار 330 و140 ميليمتراً، وإلى المواقع التي يمكن إطلاقها منها والقدرات العسكرية المتوفرة في ذلك الوقت.
أما عدد الضحايا فبقي موضع اختلاف بين الجهات التي وثقت المجزرة، ولذلك يصبح أكثر دقة الحديث عن أكثر من ألف قتيل وآلاف المصابين، بدلاً من التعامل مع رقم واحد باعتباره حصيلة نهائية لا خلاف عليها، لكن الاختلاف في الحساب لم يغير شيئاً في حقيقة أساسية: الغوطة شهدت أكبر هجوم كيميائي في الحرب السورية وأكثرها دموية.
الإنكار الذي استمر سنوات
أنكرت حكومة بشار الأسد مسؤوليتها عن الهجوم، كما أنكرت لاحقاً استخدامها أسلحة كيميائية في هجمات أخرى. وفي خريف 2013، تحت ضغط دولي هائل وبعد التهديد بتدخل عسكري أميركي، وافقت دمشق على الانضمام إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وتسليم ترسانتها المعلنة، وبدأت واحدة من أكبر عمليات نزع السلاح الكيميائي التي عرفها العالم في ذلك الوقت.
وبعد عام تقريباً، بدا من الخارج كأن الملف يقترب من نهايته، فقد أُخرجت المواد التي أعلنت عنها دمشق وجرى تدميرها، وبدأ الحديث عن سوريا باعتبارها دولة تخلصت من مخزونها الكيميائي، لكن المشكلة كانت تختبئ في كلمة واحدة: المعلن.
ثم جاءت الوقائع اللاحقة لتجعل هذه الشكوك أكثر خطورة. في نيسان/ أبريل 2017، استيقظ العالم على صور جديدة من خان شيخون في ريف إدلب، ومدنيين تظهر عليهم أعراض التسمم بعامل عصبي. فمن أين جاء السارين؟
ولم تكن خان شيخون الواقعة الوحيدة، إذ استخدمت مواد كيميائية في اللطامنة وسراقب ودوما ومناطق أخرى، ونُسبت عدة هجمات إلى القوات الحكومية السورية، بينها استخدام السارين والكلور.
ما بقي خلف الأبواب
في كانون الأول/ ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد، ومعه تغيرت طبيعة ملف ظل طوال أكثر من عقد يدور بين أسئلة المفتشين وإجابات دمشق الناقصة، فقد أصبحت مواقع لم يكن الوصول إليها ممكناً متاحة للبحث، وبدأت السلطات الجديدة تعاوناً مختلفاً مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
عثر المفتشون على عشرات الذخائر الكيميائية، وبينها قنابل جوية من الأنواع نفسها المرتبطة بهجمات اللطامنة وخان شيخون، ومواد ومعدات وآلاف الصفحات من الوثائق.
ومع بداية أيلول/ سبتمبر 2026، انتقل الملف إلى مرحلة أخرى، إذ بدأت سوريا عمليات تدمير جديدة لمخلفات البرنامج الكيميائي السابق تحت إشراف دولي، في أول عملية من هذا النوع على الأراضي السورية منذ أكثر من عقد، وأكدت الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية التحقق من تدمير 42 قنبلة جوية، إلى جانب العمل على منشآت ومواد مرتبطة بالبرنامج.
لكن السؤال الأصعب لم يعد متعلقاً بالتدمير وحده. فالذخيرة الكيميائية التي يجب التخلص منها لأنها تمثل خطراً على السوريين هي نفسها، في الوقت ذاته، دليل محتمل على جريمة حرب. وكل صاروخ وكل قنبلة وكل سجل إنتاج قد يساعد يوماً في معرفة من أصدر الأمر، ومن جهز المادة، ومن نقلها، ومن حملها إلى منصة الإطلاق أو إلى الطائرة، ولذلك لا يكفي التخلص من السلاح، بل يجب حفظ الأدلة المرتبطة به قبل أن تختفي معه.
بعد ثلاثة عشر عاماً، أعود بذاكرتي إلى تلك الشرفة في حي التجارة، إلى جوبر القريبة وإلى ساحة العباسيين التي بدت يومها كأنها المسافة الفاصلة بين عالمين، ولم أكن أعرف أن المسافة الحقيقية ستكون أطول بكثير، بين أجساد الأطفال التي رأيناها على الشاشات عام 2013 وبين مخازن ستفتح في 2026، وبين إنكار ظل يتكرر سنوات وبين صواريخ ووثائق خرجت أخيراً إلى الضوء.
لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان السلاح الكيميائي قد استُخدم في سوريا، فهذه حقيقة أثبتتها المختبرات منذ زمن، بل كيف بقي جزء من برنامج كامل بعيداً عن أعين العالم كل هذه السنوات، ومن عرف به، ومن حماه، ومن أصدر الأوامر عندما تحول من مخزون في المستودعات إلى غاز دخل رئات الناس وهم نائمون.
وربما تبدأ العدالة الحقيقية من الإجابة عن هذه الأسئلة، لا من تدمير آخر قنبلة فقط.