"ألما": شاحناتٌ مدنيّةٌ تخفي مسارات تهريب حزب الله

أعاد معبر المصنع الحدوديّ، في أوائل نيسان، تسليط الضوء على ملفّ التهريب بين سوريا ولبنان، بعدما أصدر المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ باللغة العربيّة، يوم السبت 4 نيسان، تحذيرًا دعا فيه إلى إخلاء منطقة المعبر والطريق المؤدّي إليه من الجانب السوريّ عبر معبر جديدة يابوس، طريق "M30"، مؤكّدًا أنّ "حزب الله" يستخدم المعبر حاليًّا في تهريب الأسلحة، وفق ما نشر مركز ألما الإسرائيليّ.

وبحسب ما صدر عن مركز ألما، فإنّ خطّ الإمداد العسكريّ للحزب، القائم على الجمع بين تهريب الأسلحة والمعدّات عبر مساراتٍ متعدّدة، وبين تطوير قدرات الإنتاج المحلّي داخل لبنان، فيما يعرف بـ"نقل المصنع إلى الداخل"، يشكّل عنصرًا أساسيًّا في إعادة بناء قدراته وتعافيه الراهن، وكذلك في مرحلة "ما بعد الحرب".

شللٌ مؤقّتٌ وإعادة فتح المعبر

أدّى التحذير إلى شللٍ شبه كاملٍ في حركة العبور عند معبر المصنع، إذ توقّفت حركة المركبات والرّكّاب والشاحنات، وأخليت المكاتب والمرافق والمعدّات. لكنّ المعبر أعيد فتحه في 8 نيسان/أبريل، من دون أن يتعرّض، حتّى لحظة إعداد هذا التقرير، لأيّ استهداف.

وليس ذلك، وفق ما صدر عن مركز ألما، تطوّرًا جديدًا، إذ يستخدم معبر المصنع، الواقع على الحدود الشرقيّة للبنان قرب بلدة مجدل عنجر في البقاع الأوسط، منذ سنواتٍ طويلة في أنشطة التهريب عمومًا، وخصوصًا من قبل "حزب الله" لنقل الأسلحة والمعدّات. ومنذ حرب لبنان الثانية عام 2006، اعتمد الحزب على مجموعةٍ متنوّعة من المركبات ووسائل النقل المدنيّة المموّهة لنقل العتاد عبر المعبر، ما جعله أحد المسارات الرئيسيّة في عمليات تهريب الأسلحة المستمرّة.

كما تسجّل عبر معبر المصنع محاولاتٌ لتهريب سلعٍ عامّة، وموادّ غذائيّة، ومخدّرات، وغيرها.

إعلانٌ غير اعتياديّ

ورأى مركز ألما أنّ بيان المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ يعدّ غير مألوفٍ في السياق الحاليّ، لأنّه نقل التقديرات بشأن نشاط "حزب الله" التهريبيّ عبر معبر المصنع، حتّى في ظلّ نظام الشرع، من حيّز الترجيح إلى حيّز التعامل معه بوصفه حقيقةً قائمة.

وأشار التقرير الصادر عن المركز إلى أنّ الحزب يواصل تهريب الأسلحة والمعدّات أيضًا عبر المعابر الحدوديّة الرسميّة بين سوريا ولبنان، إضافةً إلى المعابر غير النظاميّة على الحدود الشرقيّة الشماليّة في البقاع.

ويوجد ستّة معابر رسميّة بين سوريا ولبنان، ويعدّ معبر المصنع الأكبر والأكثر أهمّيّةً بينها. والجهة الأمنيّة المسؤولة في لبنان عن إدارة المعابر هي المديريّة العامّة للأمن العامّ التابعة لوزارة الداخليّة، والتي كانت تعرف سابقًا بـ"المكتب الأوّل".

ولفت مركز ألما إلى أنّ منصب المدير العامّ للأمن العامّ يشغله حاليًّا حسن شقير، وهو شيعيٌّ محسوبٌ على "حركة أمل" ضمن "الثنائيّ الشيعيّ"، وقد جرى تعيينه في 13 آذار/مارس 2025.

ومنذ أوائل عام 2025، طرحت تساؤلاتٌ، بحسب التقرير، حول طبيعة العلاقة بين الأمن العامّ و"حزب الله"، ومدى تأثير تعيين شقير في هامش حركة الحزب داخل المعابر الحدوديّة.

"تعاونٌ داخليّ" و"روح القائد"

وبحسب ما ورد في التقرير الصادر عن مركز ألما، فإنّ تنفيذ عمليات تهريب الأسلحة عبر معبرٍ رسميٍّ وكبيرٍ مثل المصنع لا يمكن أن يتمّ من دون وجود تعاونٍ من داخل الجهاز الأمنيّ المسؤول عن المعبر. وينطبق ذلك أيضًا على الجانب السوريّ في جديدة يابوس.

وتطرح هنا فرضيّة استمرار وجود عناصر من الأمن العامّ اللبنانيّ كانوا يديرون المعبر في عهد النظام السوريّ السابق، ويعتقد أنّهم تعاونوا مع "حزب الله" سابقًا بدافع الحوافز الماليّة، وهو ما قد يستمرّ حتّى اليوم. ويظلّ العامل الحاسم هو تأمين مستوىً مشابهٍ من التعاون على الجانب السوريّ، حيث تتقاطع المصالح عبر الحوافز الماليّة.

كما رجّح مركز ألما أنّ "حزب الله" يحتفظ، بصرف النظر عن المدير العامّ للأمن العامّ، بشبكةٍ من المتعاونين داخل الجهاز يمكنه الاعتماد عليها. وأضاف أنّ "روح القائد"، أو التوجّه العامّ للإدارة، تلعب دورًا محوريًّا في توجيه سلوك المؤسّسة ككلّ، حتّى من دون مشاركةٍ مباشرةٍ من القيادة العليا.

النقل المدنيّ غطاءً للتهريب

وأوضح التقرير أنّ آليّة التهريب المعروفة تعتمد على استخدام شبكة نقلٍ ولوجستيّاتٍ مدنيّة قائمة تعمل بصورةٍ اعتياديّة في منطقة العبور، وتتمتّع بحرّيّة حركةٍ واسعة، وتعود ملكيّتها إلى شخصيّاتٍ نافذةٍ ومعروفة.

وأشار مركز ألما إلى أنّ تقريرًا سابقًا له، صدر عام 2021، كان قد تحدّث عن استخدام شركات نقلٍ مدنيّة معروفة في عمليات تهريبٍ منظّمة، عبر شاحنات الحاويات، والمبرّدات، والصهاريج، والمركبات التجاريّة، بوصفها منصّاتٍ لنقل الأسلحة.

وأضاف أنّ أسطول النقل الكبير العائد لشركاتٍ ذات نفوذ، تتحرّك مركباتها باستمرار عبر المعبر، يوفّر بنيةً مثاليّةً لتمرير الشحنات، ولا سيّما مع إمكان التلاعب بسجلّات البضائع، أو الاكتفاء بتفتيشٍ شكليّ.

وأثار بيان المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ جدلًا واسعًا في لبنان، مع صدور سلسلة ردودٍ رسميّة وميدانيّة تنفي الاتهامات.

ففي 5 نيسان/أبريل، نفى وزير الأشغال العامّة والنقل اللبنانيّ، فايز رسامني، صحّة هذه الاتهامات، مؤكّدًا أنّ المعبر يخضع لرقابةٍ مشدّدة، وأنّ جميع الشاحنات تفحص باستخدام أجهزةٍ متطوّرة وبالتنسيق مع الجانب السوريّ.

وفي 6 نيسان/أبريل، أجرى مدير الأمن العامّ، حسن شقير، زيارةً ميدانيّةً إلى معبر المصنع، في خطوةٍ هدفت إلى إظهار الحضور الأمنيّ، مؤكّدًا أنّ الإجراءات تحت السيطرة، وأنّ كلّ الشاحنات تخضع للتفتيش.

كما علّق رئيس اتّحاد الشاحنات المبرّدة، أحمد حسين، المعروف بـ"كازوزا"، نافيًا وجود أيّ نشاطٍ غير قانونيّ، ومؤكّدًا أنّ المعبر مخصّصٌ لنقل البضائع الإنسانيّة والغذائيّة، وتحت إشرافٍ رسميّ.

وخلص التقرير الصادر عن مركز ألما إلى أنّ التطوّرات المرتبطة بمعبر المصنع في أوائل نيسان/أبريل 2026 تعكس استمرار استخدام المعابر الرسميّة بين سوريا ولبنان ضمن منظومة الإمداد العسكريّ لـ"حزب الله"، إلى جانب المعابر غير الشرعيّة. وتعتمد هذه المنظومة، وفق التقرير، على شبكةٍ من التعاون الداخليّ، وعلى بنيةٍ لوجستيّةٍ مدنيّة، بما يتيح مرور الشحنات تحت غطاءٍ قانونيّ.

ورأى المركز أنّ التصريحات الرسميّة اللبنانيّة لا تغيّر الصورة العامّة التي تفيد بأنّ المعابر الرسميّة لا تزال تشكّل جزءًا أساسيًّا من سلسلة الإمداد العسكريّ للحزب.