أموال في الخارج تبحث عن توظيف فهل تكون صناديق الاستثمار العقاري بوابتها إلى لبنان؟

ليس أصعب من إقناع المستثمر بضخ أمواله في بلد ما، إلا إقناعه بأن أمواله ستكون قابلة للاستثمار، وأن عوائدها ستكون قابلة للتحصيل، وأن الخروج منها لن يتحول إلى مغامرة جديدة. وهذه تحديدا هي العقدة التي تواجه لبنان اليوم: الأموال موجودة، لكن الثقة غائبة.

في المقابل، لا يبدأ البحث عن أدوات قادرة على جذب هذه الأموال من النقطة الصفر. فهيئة الأسواق المالية (CMA) التي تعمل تحت إشراف مصرف لبنان، وضعت منذ عام 2015 أطرا لأدوات مالية منظَّمة (Regulated Financial Instruments)، بما يتيح اجتذاب أموال المستثمرين اللبنانيين في الداخل والاغتراب ضمن قنوات قانونية وشفافة وخاضعة للرقابة.

لذا، تكتسب فكرة إنشاء صناديق استثمار عقاري متخصصة (REITs) أهميتها، لا بوصفها أداة لتمويل المشاريع العقارية فحسب، بل كقناة تربط الرساميل اللبنانية والمغتربة والأجنبية بالاقتصاد اللبناني. وتقوم الفكرة التي يطرحها الأستاذ المحاضر في عدد من الجامعات والمتخصص في اقتصادات التنظيم المدني والتطوير العقاري الدكتور جورج نور، على جمع أموال المستثمرين ضمن إطار قانوني ورقابي واضح، وتوظيفها في مشاريع داخل لبنان، مع تحديد قواعد الإدارة والعوائد وآليات الدخول والخروج. فهل يستطيع أن يوفر للمستثمر ما هو أهم من الصندوق نفسه، أي الثقة؟

هنا يبرز قانون هيئات الاستثمار الجماعي رقم 23 الصادر في 5 تشرين الأول 2005، والذي وضع إطارا لجمع أموال المستثمرين وإدارتها جماعيّا وفق مبدأ توزيع المخاطر. وقد نظم الصندوق المشترك للاستثمار، وشركة الاستثمار ذات الرأسمال المتغير، مع إخضاع الإدارة لجهة متخصصة وحفظ الأصول لدى وديع مستقل، وفرض الترخيص والرقابة والإفصاح وتنويع الاستثمارات.

لكن قانون 2005 ليس قانونا للـREITs، فهو ينظم أساساً الاستثمار الجماعي في القيم المنقولة والأدوات المالية، ولا ينشئ صندوقاً تكون مهمته الأساسية تملك العقارات وتطويرها. لذلك، يتطلب الانتقال إلى صناديق استثمار عقاري تطوير الإطار القانوني والتنظيمي، بما يحدد طبيعة الأصول وآليات إدارتها وتمويلها وحقوق المستثمرين والمعاملة الضريبية، إضافة إلى قواعد تملك غير اللبنانيين للعقارات.

الطرح لا يقتصر على شراء العقارات وبيعها، بل يمكن أن يحول الصندوق إلى منصة لتمويل الإسكان والتطوير العقاري والسياحة والصناعة والتجارة والتعليم والبنى التحتية، وصولا إلى مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

ومن النماذج التي يشير إليها نور "إعادة تطوير معرض رشيد كرامي الدولي واستثماره في طرابلس، بحيث تبقى ملكية الدولة للأرض أو الأصل العام، بينما يتولى المستثمر التطوير والتشغيل مقابل عائد. ويمكن توجيه الصناديق إلى الإسكان المخصص للإيجار، بما يحول العقار إلى أصل يولّد إيرادات مستمرة بدل اقتصار الاستثمار على المضاربة والبيع".

وتكتسب الفكرة أهمية لقطاع البناء لارتباطه بسلسلة واسعة من الأنشطة، من الهندسة والاستشارات والخدمات القانونية والتمويل إلى السياحة والتجارة والتشغيل. وبالتالي، فإنّ ضخ رأس المال في مشروع عقاري يحرك قطاعات مرتبطة به ويوفّر فرص عمل وإيرادات للخدمات والشركات والمهن المختلفة.

ويشرح نور أن "الصندوق يمكن أن يؤدي دوراً يتجاوز وظيفة المستثمر العقاري التقليدي. فبدل أن يشتري المستثمر شقة أو أرضاً منفردة ويتحمل مخاطرها كاملة، يستطيع شراء حصة في محفظة تضم مجموعة من المشاريع، ما يسمح بتوزيع المخاطر والاستفادة من مصادر دخل متعددة. كما يمكن أن تصبح الأصول العقارية المنتجة، كالمباني المؤجرة أو المرافق السياحية والتجارية، مصدر عائد دوري للمستثمرين".

"بنك للأراضي" وإعادة الإعمار
يشمل التصور فكرة إنشاء ما يعرف بـ"بنك للأراضي"، يمتلك الأراضي ويطورها ضمن مشاريع استثمارية، محولا غير المستثمر منها إلى أصول منتجة، بما يجمع رأس المال والأرض والتطوير ضمن هيكل استثماري واحد.
ويمكن تطبيق الفكرة أيضا على إعادة إعمار المناطق المتضررة، ولا سيما في الجنوب، من خلال صناديق متخصصة لتمويل بناء الوحدات السكنية والمشاريع الاقتصادية. ويتيح هذا النموذج، نظريا، نقل جزء من عبء إعادة الإعمار من التمويل العام إلى الاستثمار الخاص المنظم، مع توزيع المخاطر بين عدد أكبر من المستثمرين.

 

المال موجود... والاختبار هو الثقة
غير أن جذب الرساميل لا يتحقق بمجرد إنشاء الصندوق. فالمستثمر يريد أن يعرف من يدير أمواله، وأين تحفظ، وكيف تحتسب عوائده، وكيف يمكنه الخروج من الاستثمار، وما الضرائب والرسوم التي ستطبق عليه مستقبلا؟
لذلك، تبدو الحوافز الضريبية وتبسيط الإجراءات واستقرار القواعد عناصر أساسية لإنجاح التجربة. والمطلوب، وفق نور، "ليس بالضرورة أن تموّل الدولة المشاريع، بل أن توفر إطارا قانونيا واضحا، وإدارة شفافة، ورقابة مستقلة، وإجراءات سريعة وقابلة للتوقع. فالمستثمر لا يضع أمواله على أساس العائد المتوقع وحده، بل يقارن هذا العائد بالمخاطر القانونية والسياسية والمالية التي قد يواجهها".
ويتحدث عن "إمكان جذب مئات ملايين الدولارات أو أكثر من الرساميل الخارجية إذا توافرت هذه الشروط، لكن هذه التقديرات تبقى في إطار المقترحات ما لم تتحول إلى التزامات وتمويل فعلي".

قانون 2005... نقطة انطلاق
المطلوب، في النهاية، ليس إعادة تقديم قانون 2005 على أنه قانون للـREITs، بل البناء على مفهوم الاستثمار الجماعي الذي أرساه، وتحديد ما إذا كان يمكن تطويره ليشمل الاستثمار العقاري بصورة صريحة، أو أن الأمر يحتاج إلى تشريع وتنظيم إضافيين.

وتتطلب هذه الخطوة تنسيقا بين مصرف لبنان والجهات الرقابية ووزارة المال والوزارات المعنية، إلى وضع قواعد واضحة للملكية والإدارة والضرائب والإفصاح وحماية المستثمر. فنجاح الصندوق لا يقاس بحجم الأموال التي يجمعها عند التأسيس فقط، بل بقدرته على الاستمرار وتحقيق عوائد وتوفير آليات واضحة للدخول والخروج.