أميركا تُحاصِر قنوات التمويل السِرّية لـ"حزب الله" وتُعاقِب "خَزْنته" من الذهب

رغم طغيان العناوين المحلية ذات الصلة بالواقع المعيشي والتحضيراتِ للانتخابات النيابية المفترَضة في مايو المقبل، على الروزنامة اللبنانية في الساعات الماضية، فإنّ بيروت «تَسَمَّرَت» أمام لوحة الاحتمالات المتصلة باللقاء الذي يَجْمَع اليوم، الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وعلى أهميةِ الكوابيس التي استفاقتْ على وقع دويّ دومينو انهيار الأبنية في طرابلس وما استوجبه ذلك من تحرُّكٍ عاجل لرئيس الحكومة نواف سلام والأجهزة المعنيةِ لمنْع تَكرارِ مأساة الموت تحت أنقاضِ مبانٍ «كرتونية» حُكِم على مَن فيها «بالإعدام» رمياً بالإهمال، فإنّ الترقُّب الأكبر خَلْفَ الكواليس كان للقاء ترامب - نتنياهو والذي يراوح بين أنه:
- الفرصة الأخيرة لتل أبيب لإقناع الرئيس الأميركي بوجوبِ تفعيل خيار «السلام بالقوة» مع إيران وعدم الاكتفاء بدبلوماسيةٍ تتقن طهران اللعب على حبالها، أو أقلّه الإصرار على شمول الحلّ المنشود الصواريخ البالستية والأذرع.

- وأن اللقاء هو لتكريس تماهٍ أميركي - إسرائيلي حيال الخيار العسكري على طريقة «آخِر الدواء الكيّ».

وأياً يكن ما سيُفْضي إليه اجتماع ترامب ونتنياهو، فإن لبنان يَخشى اقتراب لحظة الحقيقة على جبهته مع إسرائيل التي استعادتْ الاثنين، سخونة «متعددة النوع»، في ظلّ مَخاوف كبيرة من أن البلاد باتت أمام تقاطع هو الأخطر حيث إن كل اتجاهاته توصل إلى «فوهة المدفع»:

- فإذا وَقَعَ الانفجارُ الإقليمي ونفّذ حزب الله ما كان لوّح به لجهة أنه ليس على الحياد في أي عدوان على إيران، يكون لبنان على خط الزلزال نفسه وفي قلبه.

- وإذا انتصرتْ الدبلوماسية على النار على جبهة إيران، يُخشى أن تشكّل «بلاد الأرز» – والحزب تحديداً – ما يشبه «جائزة الترضية» لتل أبيب تعويضاً عن عدم ملاقاة واشنطن لها في ضربة قاصمة لطهران.

- وإذا وافقت واشنطن على «تجزئة» الخيارات والملفات مع طهران، بحيث يعالَج «النووي» دبلوماسياً مع واشنطن ويُترك لإسرائيل أن تتولى بيدها البالستي والأذرع، فإن لبنان لن يكون بمنأى عن هذا «التوزيع» للمهماتِ.

وفي انتظار الأربعاء المفصلي الذي سيحدّد ما سيكون في المنطقة برمّتها، وعلى وقع ربْط بعض الدوائر إرجاءَ عَرْضِ خطةِ الجيش اللبناني في ما خص سحب سلاح «حزب الله» شمال الليطاني على مجلس الوزراء لأيام بانقشاع الرؤية بإزاء ما سيشهده الإقليم خصوصاً في ظل «الضوء الأحمر» من الحزب أمام الدولة في هذا الإطار، شخصت الأنظار على زيارةٍ أفيد أن العماد رودولف هيكل، يقوم بها للسعودية وذلك بعد أيام قليلة من عودته من محطةٍ بالغة الأهمية في الولايات المتحدة ركّزت على عمل المؤسسة العسكرية ومسار عملية تفكيك ترسانة حزب الله ومؤتمر دعم الجيش المقرر عقده في فرنسا في 5 مارس المقبل.

إشادة أميركية بالجيش

وإذ تُعتبر الرياض وواشنطن الرافعتان الرئيسيتان لهذا المؤتمر الذي يَرتبط نجاحُه بالمضيّ بسحْب السلاح وبدئه في شمال الليطاني (بين نهري الليطاني والأولي كمرحلة أولى)، كان لافتاً حِرْصُ قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر (الاثنين) على الإشادةِ «بجهود الجيش اللبناني عقب إعلانه اكتشاف نفق ضخم تابع لحزب الله، وذلك للمرة الثانية خلال الشهرين الماضيين».

وقال كوبر في بيان، إن هذا الاكتشاف يشكل «خطوة مهمة في تفكيك الأنفاق التي تستخدمها جهات غير حكومية لتخزين الذخائر والصواريخ والطائرات المسيّرة الهجومية»، معتبراً أن هذه الجهود تساهم في «تعزيز السلام والاستقرار في لبنان والمنطقة».

وأضاف قائد القيادة المركزية الأميركية أن العمل المشترك بين القوات المسلحة اللبنانية وفريق آلية التدخّل (الميكانيزم لمتابعة تنفيذ اتفاق وقف النار 27 نوفمبر 2024) بقيادة الولايات المتحدة «يساعد في إنفاذ الالتزامات التي تعهد بها كل من إسرائيل ولبنان»، مشيداً بما وصفه بـ «العمل الرائع» الذي قامت به القوات اللبنانية في هذا الإطار.

وكانت قناتا «العربية / الحدث» نقلتا عن أحد المسؤولين الأميركيين أن الطرف الأميركي «أبلغ إلى الجيش اللبناني قبل 10 أيام خلال اجتماعات عسكرية ثنائية عن موقع في جنوب الليطاني من الضروري الكشف عليه» وأن «الجيش قام بعدما تسلم المعلومات عن الموقع في الحلوسية بالكشف عليه حيث دخل منزلاً في المكان المحدد، ووجد مستودعاً ضخماً يمكن الدخول إليه من باب سري في الطابق السفلي من المنزل، وعثر بداخله على أكثر من 348 علبة تحتوي كل واحدة منها على ألف طلقة».

وفي حين أشار التقرير إلى أن الأميركيين ينظرون برضا إلى ما يحدث الآن من خلال «آلية وقف الأعمال العدائية» أو الميكانيزم، ويعتبرون أنها أقيمت لتبادل المعلومات وإبلاغ الجيش اللبناني عن مواقع أو أحداث، وأن الأمر يسير بشكل جيد بين الأطراف، خصوصاً بين الأميركيين واللبنانيين، لفت إلى «أن الأميركيين يعبّرون عن الثقة بالتعامل مع القيادة العسكرية اللبنانية رغم ما حدث بين السيناتور ليندسي غراهام والعماد رودولف هيكل خلال زيارته لواشنطن (...) ويَعتبرون أن الجيش اللبناني يستطيع القيام بالمهمة جنوب الليطاني وشماله في وقت واحد».

تطويق خزانة "حزب الله" التمويلية

وفي الوقت الذي كان الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم يؤكد أن مطلب سحب السلاح أميركي – إسرائيلي وأن «المقاومة ميثاقية» معلناً أنّ «الحزب اتخذ قراراً بتأمين الإيواء عن ثلاثة أشهر (فبراير ومارس وأبريل) لكل من دُمّر بيته أو أصبح غير صالح للسكن»، باغتت الولايات المتحدة الحزب بمزيد من تطويق «خزنته التمويلية» التي تُعتبر بمثابة «مصرفه المركزي» أي مؤسسة "القرض الحسن" وأخواتها.

فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على عناصر في «حزب الله» وعلى «شركة جود» التابعة لـ «القرض الحسن» والتي سبق أن ذُكر أن الحزب يسعى إلى تحويلها مؤسسة موازية (للقرض الحسن) خصوصاً بعد طلب مصرف لبنان المركزي وقف التعامل مع القرض الحسن في ضوء العقوبات عليها.

وأكدت الخزانة الأميركية، في بيان «اتخاذ إجراءات لتعطيل آليتين أساسيتين يستخدمهما حزب الله للحفاظ على استقراره الاقتصادي: توليد الإيرادات بالتنسيق مع النظام الإيراني، واستغلال القطاع المالي غير الرسمي في لبنان».

وأعلنت في هذا الإطار فرض عقوبات على «شركة Jood SARL لتبادُل الذهب» التي تعمل تحت إشراف القرض الحسن، المصنّفة من الولايات المتحدة ضمن كيانات حزب الله، والتي تقوم بتحويل احتياطات الحزب من الذهب إلى أموال قابلة للاستخدام لدعم إعادة هيكلته»، كما أكّدت فرض عقوبات على «شبكة دولية لتوريد السلع والشحن، عبر مجموعة من المموّلين المرتبطين بحزب الله من مختلف أنحاء المنطقة، بما في ذلك إيران».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، إن «حزب الله يشكل تهديداً للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط. ستعمل وزارة الخزانة على قطع هؤلاء عن النظام المالي العالمي لإتاحة الفرصة للبنان ليكون سلميا ومزدهراً مرة أخرى».

وذكرت الوزارة أنّ الحزب «يواصل استخدام القرض الحسن لتسهيل أنشطته المسلحة المزعزعة للاستقرار، ما يقوّض قدرة الشعب اللبناني على إعادة البناء، وفي الوقت نفسه يخدم مصالح الجماعة الخاصة. ويتنكّر القرض الحسن بصفته منظمة غير حكومية (NGO) تحت غطاء ترخيص صادر عن وزارة الداخلية، لكنه يقدّم خدمات مالية مشابهة للبنك، تتجاوز بكثير الأنشطة المعلنة في وثائق التسجيل الأصلية».

ولفتت إلى أن «كبار مسؤولي القرض الحسن أنشأوا سلسلة من الشركات لتجارة الذهب في لبنان وربما في الخارج. ودفع مسؤولو حزب الله القرض الحسن لتأسيس هذه الشركات بسرعة لتخفيف ضغوط السيولة على الشركة طوال عام 2025»، وأضافت: «لتجنب العقوبات، أسس مسؤولو القرض الحسن الشركة اللبنانية المرخّصة Jood SARL (Jood)، تحت إشراف سامر حسن فواز المصنّف من الولايات المتحدة. وفتح القرض الحسن أو يخطّط لفتح فروع لشركة Jood في مناطق شيعية بالدرجة الأولى، بما في ذلك بيروت ووادي البقاع والنبطية. ويشرف القرض الحسن على أنشطة Jood (...) ويشترك كبار مسؤولي القرض الحسن، محمد نايف ماجد، وعلي كرنيب، المصنّف من الولايات المتحدة، كمالكين ومديرين للشركة، ويشغلونها نيابة عن القرض الحسن. ويُعد تأسيس Jood أحدث سلسلة من المخططات التي استخدمها القرض الحسن لإخفاء أنشطته المالية».

وأضافت الوزارة، أنّ «علي قصير، عضو فريق التمويل في حزب الله والمقيم في إيران والمصنّف من الولايات المتحدة، يتعاون مع مجموعة في عدة مناطق لتجنب العقوبات وجمع الأموال لحزب الله. وبحلول منتصف عام 2025، كان المواطن الروسي أندريه فيكتوروفيتش بوريسوف، المقيم في موسكو والعامل في شركة Mira Ihracat Ithalat Petrol المرتبطة بحزب الله والمصنفة من الولايات المتحدة، يعمل مباشرة مع علي قصير في مشاريع تشمل توريد الأسلحة من روسيا وبيع السلع لتوليد الإيرادات. ومنذ 2021، عمل بوريسوف، مباشرة مع أعضاء فريق التمويل المصنّفين من الولايات المتحدة، إبراهيم طلال العوير ومحمد أمير الشويكي، لتسهيل الأعمال المتعلقة بشركة Mira في روسيا».

وأضافت: «في أواخر عام 2025، استخدم فريق التمويل، بما في ذلك قصير والعوير والمدير سامر كسبر، بالتشاور مع رجل الأعمال السوري ياسر حسين إبراهيم، المصنّف من الولايات المتحدة، شركة Platinum Group International Dis Ticaret Limited Sirketi ومقرها تركيا لتسهيل تصدير ملايين الدولارات من الأسمدة من إيران إلى تركيا، مدعيين زوراً أن البضائع منشؤها عمان.

كما استخدمت شركة Sea Surf Shipping Limited التركية، المالكة للسفينة LARA لتسهيل العملية، وتم تحميل الشحنة الإيرانية على السفينة BRILLIANCE المسجلة في بنما. وتدير Brilliance Maritime Ventures S.A. البانامية السفينة، وهي جزء من أسطول مرتبط بالحرس الثوري الإيراني - فيلق القدس، ورجل الأعمال السوري المرتبط بحزب الله عبدالجليل ملاه».