المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرانسوا الجردي
الاثنين 1 حزيران 2026 13:33:54
كتب الكاتب السياسي فرنسوا الجردي
في تاريخ لبنان الحديث، قلّة من الشخصيات السياسية دفعت أثماناً شخصية ووطنية بحجم الأثمان التي دفعها الرئيس أمين بيار الجميّل. وبين من أحبّه ومن اختلف معه، يبقى الرجل واحداً من أبرز صناع المراحل المفصلية في تاريخ الجمهورية اللبنانية، ورمزاً سياسياً عَبَر أكثر من ستة عقود من العمل العام دون أن يغادر الحياة السياسية أو يتخلى عن قناعاته الأساسية في الدفاع عن لبنان الحرّ والسيّد والمستقل.
ليس من الإنصاف أن يُختصر تاريخ الرئيس أمين الجميّل بسنوات الرئاسة فقط، أو أن يُقرأ من خلال محطات معينة بمعزل عن السياق التاريخي الذي عاشه لبنان والمنطقة. فالرجل هو ابن مدرسة سياسية ووطنية عريقة، نشأ في كنف مؤسس حزب الكتائب اللبنانية الشيخ بيار الجميّل، وتدرّج في المسؤوليات الحزبية والشعبية قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية في واحدة من أكثر اللحظات دموية وخطورة في تاريخ لبنان.
من مدرسة بيار الجميّل إلى قيادة المتن الكتائبي
وُلد أمين الجميّل عام 1942 في بيت سياسي وطني شكّل جزءاً أساسياً من تاريخ لبنان المعاصر. ومنذ شبابه المبكر انخرط في العمل الحزبي داخل حزب الكتائب اللبنانية، حيث تميز بقدرته التنظيمية والسياسية وبعلاقاته الواسعة داخل المجتمع اللبناني.
برز اسمه بصورة خاصة خلال توليه رئاسة إقليم المتن الكتائبي، حيث نجح في بناء قاعدة شعبية واسعة وفي تطوير العمل الحزبي والتنظيمي في واحدة من أكثر المناطق اللبنانية حيوية وتأثيراً في الحياة السياسية.
وخلافاً للصورة النمطية التي حاول البعض رسمها عنه باعتباره "الأخ الهادئ" للرئيس المنتخب الشهيد بشير الجميّل، أثبت أمين الجميّل منذ تلك المرحلة أنه يمتلك شخصيته السياسية المستقلة ورؤيته الخاصة، وأنه ليس مجرد امتداد لأحد، بل قائد سياسي له حضوره وتأثيره وخياراته.
المحامي اللامع ورجل الحوار الوطني
قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية، كان أمين الجميّل محامياً لامعاً عُرف بكفاءته القانونية وثقافته الدستورية الواسعة، وقد انعكست خلفيته القانونية على مجمل أدائه السياسي طوال مسيرته العامة. فقد آمن بأن قوة الدولة تنبع من المؤسسات والقانون والحوار، لا من الغلبة أو منطق الأمر الواقع.
تميّز بأسلوب سياسي هادئ ومتزن، قائم على التفاوض والسعي إلى إيجاد المساحات المشتركة بين اللبنانيين، حتى في أكثر المراحل تعقيداً وانقساماً. واستطاع على مدى عقود أن ينسج علاقات واسعة مع مختلف القوى السياسية والروحية والوطنية على اختلاف توجهاتها وانتماءاتها، فكان محاوراً يحظى بالاحترام لدى خصومه كما لدى حلفائه.
ولعل أبرز ما ميّز شخصيته السياسية أنه لم يحوّل الخلاف السياسي إلى عداوة شخصية، ولم ينزلق إلى خطاب الإلغاء أو الكراهية، بل بقي مؤمناً بأن لبنان لا يمكن أن يستمر إلا من خلال الشراكة والتلاقي والحوار بين أبنائه.
ولهذا السبب، حظي باحترام واسع في الأوساط السياسية اللبنانية، حتى من قبل شخصيات وقوى اختلفت معه في الخيارات والمواقف. فكثيرون ممن عارضوا سياساته أو انتقدوا بعض قراراته، ظلوا يقرّون بدماثة أخلاقه ورقي أدائه السياسي وتمسكه بالدستور والأصول الديمقراطية، وهي صفات ساهمت في ترسيخ صورته كرجل دولة أكثر منه مجرد زعيم حزبي.
نائب شاب في زمن التحولات الكبرى
دخل المجلس النيابي عام 1970 نائباً عن قضاء المتن، ليصبح من أصغر النواب سناً آنذاك. وخلال سنوات الحرب اللبنانية لعب أدواراً سياسية عديدة، وساهم في إدارة ملفات داخلية وخارجية معقدة، كما شارك في محاولات متكررة للحفاظ على وحدة المؤسسات الشرعية اللبنانية في ظل الانقسامات الحادة التي كانت تعصف بالبلاد.
كان يدرك منذ بدايات الحرب أن السلاح وحده لا يصنع وطناً، وأن أي انتصار عسكري لا يكتمل من دون تسوية سياسية تؤسس لدولة قادرة على احتضان جميع أبنائها.
الرئاسة التي جاءت على وقع المأساة
في الرابع عشر من أيلول عام 1982 اهتز لبنان على وقع اغتيال الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميّل، في جريمة لم تستهدف شخصاً فقط، بل استهدفت مشروعاً سياسياً كاملاً كان يسعى إلى إعادة بناء الدولة اللبنانية.
وفي خضم الصدمة الوطنية الكبرى، وقع الاختيار على أمين الجميّل لتولي مسؤولية قيادة البلاد. لم يكن وصوله إلى الرئاسة نتيجة معركة سياسية تقليدية أو طموح شخصي، بل جاء في لحظة تاريخية استثنائية كانت الدولة فيها مهددة بالتفكك الكامل.
تسلّم الرجل الرئاسة فيما كانت القوات الأجنبية تنتشر على الأراضي اللبنانية، والحرب مستمرة، والمؤسسات شبه منهارة، والاغتيالات والانقسامات تضرب كل مفاصل الدولة.
اتفاق 17 أيار... بين الممكن والمستحيل
من أكثر المحطات التي أسيء فهمها أو استغلالها سياسياً في مسيرة الرئيس أمين الجميّل كانت قضية اتفاق 17 أيار 1983.
فالرجل لم يكن يسعى إلى عقد سلام منفرد أو التخلي عن الحقوق اللبنانية كما حاول خصومه تصوير الأمر، بل كان يبحث عن إطار يؤدي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية وإعادة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
رئيس حاصرته المؤامرات
لعلّ أكثر ما يميز تجربة أمين الجميّل الرئاسية أنها كانت تجربة رئيس وجد نفسه محاصراً من كل الجهات.
فخصومه التقليديون اعتبروا مشروعه السياسي تهديداً لمصالحهم، فيما تخلّى عنه بعض الحلفاء أو اختلفوا معه عندما اصطدمت حساباتهم الخاصة بمشروع بناء الدولة.
واجه محاولات متكررة لإضعاف موقع الرئاسة الأولى، وعاش سنوات من الضغوط العسكرية والسياسية والأمنية غير المسبوقة، وشهد خلال عهده انتفاضات وحروباً وانقسامات واغتيالات وأزمات دستورية متلاحقة.
ورغم ذلك، بقي متمسكاً بموقع الرئاسة كرمز لوحدة الدولة اللبنانية، ورفض الانصياع للكثير من الإملاءات التي كانت تُفرض عليه من قوى داخلية وخارجية.
بعد الرئاسة... النضال المستمر
فعلى مدى العقود التالية، استمر في العمل السياسي والحزبي والوطني، وخاض معارك الدفاع عن السيادة اللبنانية والاستقلال ورفض الوصاية الخارجية أيّاً كان مصدرها.
وبعد اغتيال نجله الوزير والنائب بيار أمين الجميّل عام 2006، واجه واحدة من أقسى المحطات الإنسانية في حياته، لكنه لم ينكسر ولم ينسحب من الحياة العامة، بل واصل نشاطه السياسي مؤمناً بأن الشهادة لا تعني نهاية القضية التي استشهد أصحابها من أجلها.
كما لعب دوراً محورياً في إعادة إحياء حزب الكتائب اللبنانية وتجديد حضوره السياسي والشعبي.
رجل المؤسسات لا رجل المغامرات
قد يختلف اللبنانيون حول بعض خيارات الرئيس أمين الجميّل أو تقييم بعض مراحل عهده، لكن ما يصعب إنكاره هو أنه بقي طوال مسيرته مؤمناً بالدولة والمؤسسات والدستور.
لم يكن قائداً شعبوياً يبحث عن التصفيق السريع، ولا زعيماً ميليشيوياً يستمد شرعيته من السلاح، بل رجل دولة حاول العمل ضمن منطق المؤسسات حتى في أصعب الظروف التي عرفها لبنان.
خاتمة
حين يُكتب تاريخ لبنان بإنصاف وموضوعية، سيحتل الرئيس أمين بيار الجميّل مكانة خاصة بين رجالات الجمهورية. فهو لم يرث موقعاً فحسب، بل حمل أعباء وطنٍ كان ينهار أمام عينيه، وحاول أن يحافظ على ما أمكن من الدولة وسط الحروب والمؤامرات والتدخلات الخارجية.
لقد كان سياسياً ومحامياً ورجل حوار ورئيساً للجمهورية وقائداً حزبياً ووالداً قدّم من عائلته شهداء في سبيل قناعاتهم الوطنية. وفي كل مرحلة من هذه المراحل، بقي ثابتاً على إيمانه بلبنان الدولة والحرية والتعددية والعيش المشترك.
إنه الرئيس أمين بيار الجميّل... رجل الدولة الذي واجه الأعاصير ولم ينكسر، وحمل قضية لبنان على كتفيه في أصعب مراحل تاريخه، ولا يزال حتى اليوم أحد أبرز الشهود الأحياء على تاريخ الجمهورية اللبنانية الحديثة.