المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الاثنين 21 أيلول 2026 16:34:54
في مثل هذا اليوم، انتُخب أمين الجميّل رئيسًا للجمهورية اللبنانية. لم يكن يومًا عاديًا في حياة الرجل، ولا لحظة انتصار شخصي تُشبه ما يرافق عادةً وصول رئيس إلى قصر بعبدا. صعد الرئيس الجميّل إلى سدّة الرئاسة، مرتديًا ربطة عنق سوداء، حدادًا على شقيقه بشير، الرئيس الشهيد الذي اغتالوا حلمه قبل أن يبدأ عهده.
كان يجلس على كرسي الرئاسة، فيما كان قلبه لا يزال عالقًا عند أخيه. وبين وجع الفقدان وثقل المسؤولية، وجد أمين نفسه أمام وطنٍ تتنازعه الاحتلالات (الفلسطيني، السوري والإسرائيلي) والميليشيات، وتنهشه الحرب، وتُحاصره الانقسامات. لم تكن له رفاهية الحزن الطويل، ولا فرصة أن يكون أخًا مفجوعًا بعيدًا عن أعباء الحكم. كان عليه أن يدفن ألمه في صدره، وأن يقود بلدًا يوشك أن يفقد ما تبقّى من دولته.
وهنا تكمن إحدى أكثر صور أمين الجميّل إنسانيةً وصلابةً: أن يتمكّن رجلٌ مثقلٌ بمصيبة أخيه من الوقوف في وجه عاصفة وطنية، وأن يحاول أن يوازن بين حزنٍ لا يُحتمل ومسؤوليةٍ لا ترحم.
كان الرئيس "العنيد"، في جوهر رؤيته، يسير على خطى والده الرئيس المؤسس بيار الجميّل: لبنان الدولة، لا لبنان الساحة؛ لبنان المؤسسات، لا لبنان المزارع؛ لبنان الجيش الواحد، لا لبنان الجيوش المتعددة. وفي عهده، سعى إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوسيع حضور الجامعة اللبنانية، وإعادة تنظيم الجيش وتسليحه، إيمانًا منه بأن السيادة لا تُستعاد بالشعارات، بل بمؤسسات قادرة على ممارستها.
وفي السياسة، كان أمين الجميّل يدرك مبكرًا أن استعادة الأرض وحماية المصالح اللبنانية لا تكونان دائمًا عبر المواجهة العسكرية، بل قد تمرّان أيضًا عبر طاولة المفاوضات. لذلك خاض مفاوضات اتفاق 17 أيار، الذي تضمّن ترتيبات لإنهاء حالة الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية، وأظهر أن التفاوض، حين تقوده دولة متمسكة بحقوقها، يمكن أن يكون أداةً لحماية المصلحة الوطنية.
ومن هنا، يحقّ للبنانيين اليوم أن يعيدوا قراءة تلك التجربة، وأن يقارنوها بالاتفاقات اللاحقة، بما فيها اتفاق ترسيم الحدود البحرية، بعيدًا عن التوظيف السياسي. فالمسألة ليست في اسم الاتفاق، بل في قدرة الدولة على التفاوض وانتزاع حقوقها، وفي ما إذا كانت المكاسب التي تحققت لاحقًا قد بلغت ما كان يمكن للبنان أن يحصده في مراحل سابقة، كالترسيم البحري في عهد الرئيس ميشال عون، الذي كسب فيه الإسرائيلي ما كان يضمّه اتفاق 17 أيار للبنان.
لكن أمين الجميّل لم يحكم في زمنٍ طبيعي. تسلّم الرئاسة ولبنان يرزح تحت الاحتلالات، والحرب الممتدة منذ عام 1975، والانهيار الاقتصادي وتراجع قيمة الليرة، فيما كانت بعبدا محاصرة بالضغوط من كل الجهات. وكان يفترض بمن هم في الداخل أن يكونوا سندًا للدولة في معركتها، فإذا بالصراعات الداخلية والاقتتال في المناطق التي عُرفت بالمحررة تستنزف ما تبقّى من قوة العهد، وتحوّل المواجهة مع الاحتلالات إلى صراعٍ داخل البيت الواحد.
حاول أمين الجميّل أن يضع القوات المسلحة تحت راية الدولة، وأن يكرّس جيشًا واحدًا للبنان الواحد، لكن مشروعه اصطدم برفض قادة الميليشيات وحساباتهم. ومع ذلك، لم يتخلَّ عن الجيش، بل عمل على دعمه وتسليحه وتعزيز قدراته القتالية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن لا وطن يستقيم من دون مؤسسته العسكرية الشرعية.
ولعلّ أكثر ما يؤلم في سيرة أمين الجميّل أن الرجل الذي عاش كل تلك العواصف، وحمل كل ذلك الثقل، لم ينل دائمًا الإنصاف الذي يستحقه. أُحيط عهده بقراءات سياسية قاسية، وتعرّضت صورته للتشويه، فيما اختار هو، في كثير من الأحيان، أن يعتصم بالصمت. وكأن الصمت كان طريقته في مواجهة زمنٍ لم يكن مستعدًا لسماع الحقيقة كاملة.
أمين الجميّل ليس مجرد رئيسٍ سابق للجمهورية. هو رجلٌ حمل حزن أخيه إلى قصر بعبدا، وحمل معه لبنانًا جريحًا، وحاول أن يمنحه فرصةً للخروج من الحرب إلى الدولة. قد يختلف اللبنانيون حول خياراته، وقد يختلف التاريخ في تقييم عهده، لكن من الظلم أن تُمحى من الذاكرة صلابة رجلٍ وقف أمام واحدة من أعقد مراحل لبنان، فيما كان قلبه يحمل مأساةً شخصية لا تُختصر في كتب السياسة.
في ذكرى انتخابه، لا نستعيد رئيسًا فقط، بل نستعيد قامةً وطنيةً لعلّ التاريخ واللبنانيين ينصفونها اليوم، بعدما بات الاقتناع راسخًا بأن الحلّ والخلاص للبنان يكمنان في التفاوض، لا في الحروب. نستعيد رجلًا بقي أكبر من الروايات التي كُتبت عنه.