أوروبا والصين: التجارة تتحول إلى معركة على مستقبل الصناعة

على مدى سنوات، تعاملت أوروبا مع الصين باعتبارها مصنعاً ضخماً وسوقاً واعدة في الوقت نفسه. استفاد المستهلك الأوروبي من السلع الرخيصة، ووجدت الشركات الأوروبية في السوق الصينية مجالاً للنمو. لكن هذه المعادلة بدأت تتغير بعدما اكتشفت القارة أن انخفاض الأسعار قد يحمل تكلفة أخرى: تقلص مصانعها واعتمادها المتزايد على الصين في التقنيات والمواد اللازمة لاقتصاد المستقبل.

بلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع مع الصين 359.9 مليار يورو (نحو 421 مليار دولار) في عام 2025. وفي الفصل الأول من عام 2026 وحده، وصل العجز إلى 98 مليار يورو (نحو 115 مليار دولار)، وهو أعلى مستوى فصلي منذ أواخر عام 2022. غير أن ما يقلق بروكسل ليس حجم العجز بقدر نوعية السلع التي تستوردها: الآلات والمعدات الكهربائية والبطاريات والسيارات وتقنيات الطاقة النظيفة.

تفيد المفوضية الأوروبية بأن الشركات الصينية لا تتقدم بفضل الكفاءة وحدها، بل تستفيد أيضاً من قروض ميسرة ومنح وإعفاءات ضريبية وطاقة وأراضٍ منخفضة التكلفة. وترى أن هذه السياسات أنتجت قدرة صناعية تفوق حاجة السوق الصينية، فاندفعت الشركات إلى التصدير بأسعار يصعب على المنتجين الأوروبيين مجاراتها.

أما بكين فترفض هذه الرواية. وتؤكد أن تفوق شركاتها ثمرة الاستثمار المبكر والابتكار واتساع السوق وتكامل سلاسل الإنتاج. وتتهم أوروبا بتحويل مفهوم «المنافسة العادلة» إلى غطاء للحمائية، ولاسيما بعدما بدأت المنتجات الصينية تتفوق في مجالات كانت الشركات الأوروبية تعدّها من مناطق نفوذها التقليدية.

كانت السيارات الكهربائية أبرز ساحات المواجهة. منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2024، فرض الاتحاد رسوماً إضافية تراوحت بين 7.8 و35.3 في المئة على السيارات الكهربائية المصنّعة في الصين، فوق التعرفة الجمركية الأساسية البالغة 10 في المئة. وخلص التحقيق الأوروبي إلى أن الدعم الحكومي الصيني يهدد منتجي السيارات داخل الاتحاد بأضرار اقتصادية.

وردت الصين بالطعن أمام منظمة التجارة العالمية، وفتحت تحقيقات طاولت بعض المشروبات ومنتجات الألبان وبعض اللحوم الأوروبية. ولم يكن اختيار هذه القطاعات بلا دلالة، إذ تتركز في بلدان مؤثرة في القرار الأوروبي، مثل فرنسا وإسبانيا وهولندا والدنمارك.

ومع ذلك، لا تسعى بروكسل إلى إبعاد السيارات الصينية كلياً. لقد فتحت الباب أمام «التعهدات السعرية»، إذ تلتزم الشركة حداً أدنى لسعر البيع وشروطاً قابلة للرقابة في مقابل الإعفاء من الرسوم الإضافية. وفي شباط (فبراير) 2026 قبلت المفوضية أول تعهد من هذا النوع. ويكشف ذلك أن الهدف الأوروبي هو كبح أثر الدعم، وتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار والإنتاج الفعلي داخل أوروبا، لا إغلاق السوق.

واتسعت المواجهة لتشمل الأجهزة الطبية. في حزيران (يونيو) 2025، استبعد الاتحاد عروض الشركات الصينية من المناقصات العامة للأجهزة الطبية التي تبلغ قيمتها خمسة ملايين يورو أو أكثر، رداً على ما وصفه بتمييز صيني منهجي ضد الشركات الأوروبية. ولا يشكل القرار حظراً كاملاً على الأجهزة الصينية؛ يستطيع مورّد غير صيني تقديمها من ضمن شروط محددة، على ألا تتجاوز 50 في المئة من قيمة العقد.

وتستخدم المفوضية كذلك «لائحة الدعم الأجنبي» للتدقيق في الشركات التي يُشتبَه في استفادتها من تمويل حكومي يمنحها أفضلية عند شراء أصول أوروبية أو التقدم إلى مناقصات كبيرة. وقد ظهرت هذه الأداة في قطاعات مثل طاقة الرياح والسكك الحديد ومعدات الأمن والطاقة.

الخطوة التالية ستكون أكثر حساسية. تدرس المفوضية إمكانية ربط بعض الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً تلك المستفيدة من الأموال العامة، باستخدام مدخلات أوروبية وتوظيف عاملين داخل الاتحاد وتوطين جزء من البحث والتطوير. كذلك طرحت للنقاش خيارات مثل المشاريع المشتركة أو نقل بعض حقوق الملكية الفكرية. لكنها لا تزال أفكاراً قيد الإعداد وليست شروطاً أوروبية عامة ونافذة.

وتبدو المواد الخام الحلقة الأضعف في الموقف الأوروبي. تهيمن الصين على معالجة عدد من المعادن والعناصر الأرضية النادرة الضرورية للسيارات والبطاريات والطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية. وأظهرت القيود الصينية على تصدير بعضها أن سلسلة الإمداد قد تتحول سريعاً إلى أداة ضغط.

لذلك وضع الاتحاد أهدافاً لعام 2030 تقضي باستخراج 10 في المئة من احتياجاته من المواد الاستراتيجية محلياً، ومعالجة 40 في المئة وإعادة تدوير 25 في المئة، مع خفض الاعتماد على أي دولة منفردة إلى ما لا يتجاوز 65 في المئة في كل مرحلة ذات صلة. ويسعى بالتوازي إلى بناء شراكات مع دول منتجة للمعادن وتنويع مورديه وتكوين مخزونات استراتيجية.

لكن حماية المصانع الأوروبية لن تتحقق بالرسوم وحدها. تعاني الشركات الأوروبية أيضاً ارتفاع أسعار الطاقة وبطء التراخيص ونقص الاستثمار وتجزؤ السوق بين الدول الأعضاء. وإذا لم تعالج أوروبا هذه المشاكل، فقد تمنح الرسوم مصانعها بعض الوقت من دون أن تجعلها أكثر قدرة على المنافسة.

لهذا لا تبدو القطيعة مع الصين خياراً واقعياً. تحتاج الشركات الأوروبية إلى السوق الصينية، كما يحتاج التحول الأخضر الأوروبي إلى مكونات ومواد صينية. والأرجح أن تتجه العلاقة إلى «تعايش تنافسي»: مزيد من التحقيقات والرسوم والشروط من جهة، ومفاوضات وتسويات واستثمارات متبادلة من جهة أخرى. في النهاية، لا تخوض أوروبا معركتها لمنع الصين من البيع في أسواقها، بل لتجنب التحول إلى سوق تستهلك صناعات المستقبل ولا تنتجها. وسيكون الاختبار الحقيقي قدرتها على بناء بديل صناعي كفوء، لا مجرد إقامة جدار جمركي أعلى.