المصدر: أساس ميديا
الكاتب: أيمن جزيني
السبت 24 تشرين الأول 2026 07:03:34
استفاق أيتام بشار الأسد وأبناء “الحزب” بالتبنّي، فتجمّعوا تحت عباءة ما أسموه “اللقاء الوطني”، يتقدّمهم أمين سرّهم، رئيس حزب “الراية” والأمين القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان، سابقاً، ليتحدّثوا عن اتفاق “الطائف”، بعدما أصابتهم التخمة طعناً في روحه وتحويلاً لبنوده وتعطيلاً لمقتضياته كلما اصطدمت بمصالحهم. المفارقة أنّ الذين اعتادوا التعامل مع الدولة مجالاً لتدبير النفوذ، ومع السيادة مفهوماً قابلاً للتجزئة، يستحضرون اليوم الوثيقة التي قامت على إنهاء الحرب وإعادة بناء الشرعية الوطنية، للتستّر بها على ذواتهم.
ليس الاعتراض على مناقشة الطائف، بل على توظيفه غطاءً لاستعادة الهيمنة. فالسؤال ليس مَن يتحدّث عن الاتفاق، بل مَن يقبل الاحتكام إليه حين تتعارض أحكامه مع مصالحه. الطائف ليس ملكاً لطائفة أو حزب، بل مرجعية لجميع اللبنانيين، يُقاس صدق التمسك بها بالالتزام بالدولة والدستور والسيادة، لا بالبيانات واللقاءات.
عقد الدولة لا تسوية الزعامات
اتفاق الطائف ليس مجرد تسوية أنهت الحرب أو أعادت توزيع الصلاحيات بين الرئاسات والطوائف، إنه محاولة لنقل لبنان من الغلبة المسلحة إلى الشرعية الدستورية، ومن الأمر الواقع إلى المؤسسات. واختزاله في المحاصصة يفرغ معناه، فغايته تنظيم التعدد ومنع تحوّله إلى صراع دائم على السلطة والوجود.
الشراكة لا تعني تحويل الطوائف إلى كيانات سيادية موازية، ولا احتكار حزب تمثيل جماعته، ولا منح أي طرف حق تعطيل المؤسسات باسم هواجسه. فالمرجعية الوطنية تكون ملزمة حين تضع حدوداً لنفوذ الأقوياء. وكل قراءة تجعل الدستور تابعاً لموازين القوة تُحوّل الدولة من مرجع للجميع إلى أداة في يد أصحاب النفوذ.
مَن يقرّر الحرب والسلم؟
لا يستقيم الدفاع عن الطائف مع تجاهل السؤال السيادي الأشد إلحاحاً: مَن يملك قرار الحرب والسلم؟ فالدولة التي لا تنفرد بقرار استخدام القوة على أراضيها تبقى منقوصة السيادة. ولا يمنح أي حزب، مهما اتسعت قاعدته، حق إنشاء سلطة عسكرية موازية أو تقرير مصير المجتمع.
أدخل الحزب لبنان في حرب إسناد غزة عام 2023، ثم وجد البلد نفسه أمام مواجهة جديدة عام 2026 تحت عنوان إسناد إيران و”ثأراً” للخامنئي، متحمّلاً كلفة بشرية وعمرانية واقتصادية باهظة. ولا يُحوّل رفض العدوان الإسرائيلي الخيارات التي عرّضت البلاد للحرب إلى موضوع محظور للمساءلة، كما لا يبرر نقد تلك الخيارات العدوان أو ينتقص من معاناة ضحاياه.
إدانة العدوان شيء، وتقديس القرار العسكري المنفرد شيء آخر. فالمقاومة لا تمنح صاحبها حق احتكار الوطنية، والسيادة لا تُرفع في مواجهة الخارج وتُعلّق في الداخل. وحماية لبنان مسؤولية وطنية ينبغي أن تخضع للمؤسسات الشرعية، لا امتيازاً تنظيمياً.
الطائفة ليست حزباً
حين تتحول المقاومة من قضية مرتبطة بمواجهة الاحتلال إلى هوية سياسية مغلقة، يصبح الاعتراض على خيارات “الحزب” شبهة في الولاء للجماعة، وينتقل النقاش من مساءلة الاستراتيجية وكلفتها إلى امتحان الوطنية. لكن التضحيات لا تمنح تفويضاً أبدياً لإدارة الدولة أو تحديد خياراتها الإقليمية. وتحرير قضية المقاومة من الاحتكار لا يعني إنكار تاريخ المواجهة مع إسرائيل، بل إخضاع الاستراتيجية الدفاعية للنقاش الوطني والمؤسسي.
لا تكمن مشكلة لبنان في تعدديته وحدها، بل في تحويل الانتماء الطائفي إلى آلية لاحتكار التمثيل وإنتاج الولاء. فالطائفة ليست كتلة متجانسة، ولا يحق لأي حزب الادّعاء بأنه صوتها الوحيد. وحين يُقدَّم التنظيم بوصفه الضمانة الوحيدة للجماعة، يصبح الاعتراض عليه تهديداً لها، ويتحول المواطن من صاحب حق إلى تابع لشبكات رعاية تربط الحماية والخدمات بالولاء.
لا تُعالج هذه المعضلة بتوزيع الحصص بين الزعامات، بل باستقلال القضاء والمساواة أمام القانون وتحرير المواطنة من الابتزاز. حماية الشيعة لا تعني التسليم باحتكار الحزب قرارهم، كما أن حماية المسيحيين لا تعني تسليمهم لزعاماتهم. فالجماعات تُصان بحماية التعدد داخلها، لا بإلغائه.
الطائف في مواجهة طوائفه
تتجاوز المعضلة اليوم مسألة تطبيق الطائف أو تعطيله إلى سؤال أصعب: كيف يُطبّق حين تتنامى داخل بعض البيئات نزعات تدعو إلى إعادة النظر في قواعد النظام؟ فالمطالبة بالمثالثة لدى تيارات شيعية، والدعوة إلى الفيدرالية الإدارية أو السياسية لدى قوى مسيحية، تعبّران، على اختلاف منطلقاتهما، عن تصورات للتمثيل والأمان الجماعي وموقع الجماعات في الدولة. ولا يجوز نسب هذه المطالب إلى طائفة بأكملها، كما لا يصح تجاهل ما تكشفه من أزمة ثقة.
لكن فهم المخاوف لا يعني التسليم بالحلول المقترحة. فالمثالثة ليست تعديلاً حسابياً محايداً، بل تفتح سؤالاً حول قواعد الشراكة والمناصفة، ولا يكفي تبريرها بتغيّر موازين القوى، إذ لا يجوز تحويل النفوذ إلى استحقاق دستوري دائم. وفي المقابل، ليست الفيدرالية الإدارية مرادفاً للفيدرالية السياسية: توسيع اللامركزية الإدارية وتحسين الخدمات يختلفان عن إعادة توزيع السلطات السيادية وحدود الدولة.
حين تتراجع الثقة بالمؤسسات، تبحث الجماعات عن ضماناتها داخل هوياتها القاتلة، وحين تصبح الهوية مصدر الأمان الوحيد، يغدو الانكفاء عن الدولة بديلاً من إصلاحها. لذلك لا يكفي الرد على هذه النزعات برفع شعار الطائف، ولا تخويف اللبنانيين من مناقشة مستقبل نظامهم. المطلوب استكمال مقتضيات الاتفاق، ومنها اللامركزية الإدارية الموسعة، واستقلال القضاء وإصلاح المؤسسات، وتفعيل مساراته الإصلاحية، بما فيها البحث في إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس للشيوخ وفق الأصول الدستورية.
تطبيق الطائف لا يعني تجميد النظام عند لحظة التسوية، ولا فتح الباب لإعادة تأسيسه كلما تبدلت موازين القوى. إنه مسار يوازن بين ضمان المشاركة ومنع الاحتكار، وبين حماية الخصوصيات وصون المجال الوطني. فلا المثالثة تصبح عادلة لمجرد رفعها باسم الإنصاف، ولا الفيدرالية السياسية ضمانة للاستقرار لمجرد تسويقها باسم الحماية، بل تُقاس الصيغ بأثرها على المواطنة والمساواة ووحدة الدولة وقدرتها على إدارة التعدد.
لا استبدال لهيمنة بهيمنة
تراجع قدرة “الحزب” على فرض إيقاعه السياسي والعسكري والأمني لا يبرر الانتقام أو إعادة توزيع الغلبة. المطلوب إنهاء منطق الامتيازات، لا نقلها من جماعة إلى أخرى. لكن رفض الانتقام لا يعني تجميد الوضع القائم أو منح القوى المسلحة حق النقض على مستقبل الدولة. ولا تستطيع الدولة مطالبة المواطنين بالتخلي عن شبكات الحماية الحزبية ما لم تثبت قدرتها على تأمين الأمن والعدالة والخدمات والفرص المتكافئة.
لا يكتمل التمسك بالطائف بالاحتفاء به، بل باستكمال تطبيقه، وتفعيل مؤسسات الدولة، وصون استقلال القضاء، وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، وإنجاز الإصلاحات ضمن الأصول الدستورية. فلا يجوز استخدام تطوير النظام ذريعة لتجاوز الاتفاق، ولا توظيف التمسك به لتعطيل كل إصلاح مشروع.
لبنان لا يحتاج إلى من يستحضر الطائف حين تضيق به السياسة، بل إلى من يلتزم به حين تتعارض أحكامه مع مصالحه. فهو عهد بألا تكون الغلبة بديلاً من الشرعية، ولا الطائفة بديلاً من المواطنة، ولا السلاح بديلاً من الدستور. ومن هنا يبدأ الإنقاذ: جمهورية لا تستأذن حزباً كي تمارس سيادتها، ولا تخشى طائفة كي تطبّق قانونها، ولا تساوم على حق اللبنانيين في دولة واحدة، حرة وعادلة وقادرة على تقرير مصيرها.