أيّ قوّة دوليّة سترِث "اليونيفيل"؟

يستعجل لبنان الرسميّ بدء المفاوضات المباشرة، فيما أعلن رئيس الجمهوريّة جوزف عون “محادثات تحضيريّة متوقّعة في الأيّام المقبلة مع سفيرة لبنان في واشنطن، وهو اللقاء الثالث الذي سيمهّد لبدء المفاوضات”. لكن بقدر الاهتمام اللبنانيّ الاستثنائيّ، بدفع مباشر من الرئيسين عون ونوّاف سلام، بالمفاوضات المباشرة يتوجّس لبنان من استحقاق أكثر حساسيّة مرتبط بوضع الجنوب على بعد أشهر قليلة من انتهاء ولاية قوات “اليونيفيل” نهاية العام.

عقب لقاء الرئيس عون مع وفد “القوّات اللبنانيّة” نَشر الحساب الرسميّ لرئاسة الجمهوريّة تأكيده أنّ “التوقيت غير مناسب الآن للقاء مع رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو، فعلينا أوّلاً أن نتوصّل إلى اتّفاق أمنيّ، ووقف الاعتداءات الإسرائيليّة علينا، قبل أن نطرح مسألة اللقاء بيننا”.

مرّت دقائق قليلة قبل أن يَحذف القيّمون على الحساب الرسميّ هذه العبارة كاملة، لكنّ المعطيات لا تزال تؤكّد أنّ عون اتّخذ قراره بعدم تلبية دعوة أميركيّة تجمعه برئيس الوزراء الإسرائيليّ في البيت الأبيض قبل انطلاق المفاوضات وغوصها في الترتيبات الأمنيّة. مع العلم أنّه في اليوم نفسه كان السفير الأميركيّ ميشال عيسى يُشدّد، من بكركي، على ضرورة لقاء رئيس الجمهوريّة بنتنياهو، “فإذا زار الرئيس عون الرئيس ترامب لا خسارة ولا تنازل للبنان في ذلك، وخلال اللقاء يبلغ عون ترامب بمتطلّبات لبنان أمام نتنياهو. ساعتها إذا بقرّر نتنياهو “إيه أو لأ”، عندها يكون ترامب هو الشاهد. وعون يعود إلى لبنان، وبعدها تبدأ المفاوضات”.

لا تزال تَعترض هذا المسار المطلوب أميركيّاً عوائق داخليّة، من بينها عدم قدرة عون على تسويقه في الداخل، سيّما في مواجهة الرئيس نبيه برّي، قبل “الحزب”، فيما القريبون من عون يرون أنّ المنطق الدبلوماسيّ والتفاوضيّ يفرض على لبنان عدم اتّخاذ هذه الخطوة التاريخيّة قبل الانسحاب الإسرائيليّ وإقرار اتّفاقيّة أمنيّة بين البلدين.

بين المفاوضات والاستفراد الإسرائيليّ

وفق المعلومات، لا تملي الاستعجال لبدء المفاوضات فقط دعوة لبنان الملحّة إلى وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيليّ وعودة الجنوبيّين إلى قراهم بالتزامن مع تطبيق قرارات الحكومة وإيجاد حلّ نهائيّ وحاسم للسلاح، فلبنان يتخوّف من تفرّد إسرائيل، بدعم أميركيّ، بجعل الجنوب لفترة زمنيّة محدّدة تراعي المصالح الإسرائيليّة خالياً من أيّ وجود دوليّ، تحت أيّ عنوان، فور نهاية ولاية قوّات الطوارئ الدوليّة نهاية العام الحاليّ، مع العلم أنّ عام 2027 سيشهد الانسحاب النهائيّ لـ”اليونيفيل” من دون إمكانيّة القيام بأيّ مهامّ عملانيّة على الأرض.

يُذكَر أنّ زيارة وفد مجلس الأمن الدوليّ للبنان في كانون الأوّل الماضي ارتبطت بشكل وثيق بملفّ انسحاب قوّات “اليونيفيل” بموجب مفاعيل القرار 2790، والخوف من أن يخلق هذا الانسحاب فجوة خطِرة. يومها كان الستاتيكو العسكريّ يشمل خمسة مواقع محتلّة من قبل الإسرائيليّ، فيما اليوم نتحدّث عن منطقة عازلة ذات خطّ أصفر على طول الحدود ومنطقة حمراء يصل عمقها إلى أكثر من 30 كلم.

طرح الموفد الفرنسيّ جان إيف لودريان في زيارته الأخيرة  للبنان نهاية العام إطار الوجود الدوليّ بعد انتهاء مهامّ “اليونيفيل”. تحدّث لودريان في لقاءاته، من دون ذكر الكثير من التفاصيل، عن ضرورة وجود إطار أمميّ وصفه بـ”القوّة الشاهدة”، مؤلّف من مئات العناصر، على الحدود اللبنانيّة-الإسرائيليّة.

تغيير حدود لبنان وإسرائيل؟

بعد أشهر من الاهتمام الفرنسيّ بـ “وريث” اليونيفيل انتقل لبنان إلى مرحلة بالغة الخطورة يكاد يصل فيها الإسرائيليّ إلى عمق النبطيّة، وبات فيها كلّ اللاعبين الدوليّين يتصرّفون على أساس معطيات مختلفة تماماً عن مرحلة ما قبل 2 آذار.

تأتي تصريحات إسرائيليّة لتعمّق المخاوف اللبنانيّة، ومنها تلك الصادرة عن وزير الماليّة الإسرائيليّ بتسلئيل سموتريتش الذي أكّد أنّ “هذه الحرب يجب أن تنتهي بتغيير حدود إسرائيل في غزّة ولبنان وسوريا والضفّة الغربيّة”.

لا يتوقّع لبنان الرسمي في المرحلة المقبلة أقلّ من تكريس إدارة دوليّة لجنوب لبنان، ربّما تطال مناطق نفوذ ووجود “الحزب” خارج الجنوب، تحت رقابة إسرائيليّة-أميركيّة كاملة تتوازن مع الشروط التي قد تمليها إسرائيل خلال الحرب أو بعد وقفها.

إلى هذا الحدّ تصل المخاوف اللبنانيّة، سيّما أنّ ذلك سينعكس مزيداً من التوتّرات في الداخل، من دون أن يتبيّن حتّى الساعة البديل الواضح عن “اليونيفيل”، فيما صدرت أصوات تطالب بتمديد مهمّة قوات الطوارئ الدوليّة كما أعلن مثلاً مندوب الصين في الأمم المتّحدة داعياً إلى إعادة النظر في قرار سحب قوّاتها، وأخرى تطالب بالاستعانة بقوّات دوليّة (بينها من دول عربيّة) مع الفصل السابع أو من دونه.

فيما لا يزال التمديد لقوّات الطوارئ الدوليّة أمراً محتملاً، ينصّ البند العاشر من القرار 2790 على “الطلب من الأمين العامّ للأمم المتّحدة بحلول 1 حزيران 2026، استكشاف خيارات مستقبليّة لتنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب “اليونيفيل”، بما في ذلك خيارات تقديم المساعدة في ما يتعلّق بالأمن ومراقبة الخطّ الأزرق، وسبل تعزيز الدعم لإعادة انتشار القوّات المسلّحة اللبنانيّة جنوب نهر الليطاني من خلال آليّات الأمم المتّحدة”. لكنّ هذا القرار أُعدّ قبل أكثر من عام على الاحتلال الإسرائيلي الأكثر توسّعاً لجنوب لبنان.

الميكانيزم

يدرك لبنان، كما فرنسا، أنّ إسرائيل عطّلت آليّة “الميكانيزم”، ولم تتوقّف عن محاولات إخراج باريس من عضويّتها، وحين فشلت في ذلك، انسحب الأميركيّ من خلال عدم حضور رئيسها الجنرال الأميركيّ جوزف كليرفيلد اجتماعاتها منذ نهاية العام الفائت، ثمّ مقاطعة إسرائيل لها، وخلال الحرب مارست إسرائيل، ولا تزال، أعمالاً حربيّة ضدّ “اليونيفيل” وثّقتها الأخيرة في بيان سابق لها.

يصدر الصوت الأقوى في سياق التمسّك بـ”الميكانيزم” عن الرئيس نبيه برّي، إن في اعتمادها ضمن كادر التفاوض غير المباشر، أو تبنّيها كإطار عملانيّ يمكن انضمام دول أخرى إليه لسدّ فراغ ما بعد “اليونيفيل”، وهذان المطلبان لا يزالان غير قابلين للتطبيق.

فيما لا تزال تساؤلات عدّة تحيط بزيارة الجنرال كليرفيلد الخاطفة للبنان ولقائه قائد الجيش العماد رودولف هيكل في قاعدة بيروت الجوّيّة، ويحطّ وفد عسكريّ فرنسيّ رفيع في بيروت بالتزامن مع تقدّم الاقتراح الأوروبيّ لإنشاء قوّة دوليّة تخلف “اليونيفيل” تقف باريس خلفها بشكل أساسيّ. شكّلت هذه القوّة أحد بنود المحادثات بين الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة نوّاف سلام خلال زيارة الأخير لفرنسا، إلى جانب دعم باريس للتحضير لمؤتمر دعم الجيش.

لا يزال الغموض يكتنف العديد من المسائل المرتبطة بـ”وريث” اليونيفيل حتّى الآن، وخصوصاً مع تشديد لبنان على أن تقف الأمم المتّحدة خلف اقتراح كهذا، وهذا ما يجيزه القرار الدوليّ 2790.

من بين النقاط الأكثر غموضاً: هل “الوحدات المختارة داخل الجيش اللبنانيّ للحصول على التدريب والمعدّات اللازمة أميركيّاً لضبط الحزب”، التي تحدّث عنها وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، تندرج ضمن إطار هذه القوّات الدوليّة أم تعمل بمعزل عنها؟