إسرائيل تسوِّق ترتيبات جديدة: كيف خاض لبنان معركة الحدود؟

شكّل ملف الحدود البرية أحد أبرز العناوين التي طُرحت خلال الجولة السابعة من المفاوضات التي عُقدت في روما، بعدما أعاد لبنان وضعه في صلب النقاش التفاوضي، في خطوة تتجاوز البعد التقني إلى إعادة تثبيت المرجعيات القانونية والسيادية التي يستند إليها الحق اللبناني. في حين تستثمر إسرائيل في اختلال موازين القوى لفرض وقائع جديدة، ليتحول الملف إلى اختبار حقيقي لقدرة المفاوضات على الانتقال من إدارة الترتيبات الأمنية إلى معالجة الانسحاب وإنهاء الاحتلال وتثبيت الحدود المعترف فيها دولياً. 

خلال جولة التفاوض قدّم الوفد اللبناني عرضًا معمّقًا مدعّمًا بوثائق وخرائط تمتد من خط الهدنة للعام 1949 إلى الخط الأزرق. فالحدود قائمة ومرسّمة، وما تحتاج إليه اليوم ليس إعادة ترسيم، وإنما تثبيت ميداني واستكمال الانسحاب الإسرائيلي حتى الحدود المعترف بها. حصل العرض على إشادة أميركية، بينما اعترض الجانب اللبناني على تركيز النقاش على مسألة تصحيح الخط الأزرق والنقاط الحدودية، في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية تحتل عشرات البلدات والنقاط داخل الأراضي اللبنانية. 

اختار لبنان إعادة طرح الملف، ساعياً إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن أي تقدم في تنفيذ الاتفاق يجب أن يقترن أيضًا بتنفيذ الالتزامات الإسرائيلية، وفي مقدمتها الانسحاب من الأراضي المحتلة، وصولًا إلى تثبيت الحدود بشكل نهائي. كما أن إعادة طرح هذا الملف تعني، بالنسبة للبنان، تثبيت المرجعيات القانونية، وفي مقدمتها خط الهدنة والخط الأزرق، باعتبارهما الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه أي ترتيبات مستقبلية، وعدم السماح بتحويل قضية الاحتلال إلى ملف ثانوي مقابل التركيز على الإجراءات الأمنية فقط.

والإيجابية الوحيدة التي برزت خلال النقاشات تمثلت في إقرار الجانب الإسرائيلي، للمرة الأولى ضمن هذا المسار، بالحدود البرية المرسّمة مع لبنان، وهو ما اعتُبر تطورًا يمكن البناء عليه، وإن كان لا يغيّر من واقع استمرار الاحتلال أو من تمسّك لبنان بضرورة استكمال الانسحاب. في المقابل، يرتبط هذا الطرح أيضًا بالمرحلة المقبلة من تنفيذ الاتفاق، ولا سيما الانتقال إلى المنطقة التجريبية الثانية، التي يصرّ لبنان على أن تكون ضمن منطقة محتلة فعليًا، بخلاف التجربة الأولى. ويعمل الجيش اللبناني، وفق المعطيات، باندفاعة كبيرة لإنجاز هذا المسار، رغم التعنت الإسرائيلي.

 

معادلة تفاوضية غير متوازنة

يرى الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ، العميد المتقاعد حسن جوني أن طرح ملف الحدود في سياق هذه الجولة التفاوضية، يأتي استكمالاً لمسار البحث في هذا الملف منذ فترة طويلة. فكلما شهدت الحدود عملاً أمنياً أو اشتباكاً مسلحاً أو حرباً بين لبنان وإسرائيل، ولا سيما في سياق حروب الإسناد، كانت المبادرات، وخصوصاً الأميركية، تحمل معها مشروعاً لحل النقاط الخلافية على الحدود، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار بصورة نهائية.

من هنا، يرى جوني في حديث مع "المدن" إن هذه المسألة ليست جديدة، "لكن ما يطرح اليوم يأتي بالتوازي مع مسار أمني معقد يتعلق بالمناطق التجريبية، وهو مسار أعتقد أنه وُضع بمبادرة أميركية وبطلب من الجانب اللبناني. وعلى الأرجح، هو مقترح لبناني – أميركي، لأن الوفد اللبناني متمكن من هذا الملف، كما أشار الجانب الأميركي، وبالتالي من المرجح أن يكون صاحب الاقتراح أو أنه تقدم بمبادرة لبنانية لقيت تجاوباً أميركياً". 

 

ولذلك، يبدو أنّ لبنان يحاول استثمار المفاوضات لإعادة تثبيت قضية الحدود كأولوية سياسية وقانونية، لا باعتبارها ملفًا تقنيًا فحسب، بل باعتبارها المدخل الطبيعي لاستكمال تنفيذ الاتفاق. وما يطرحه لبنان لا يهدف إلى إعادة رسم الحدود، بل إلى تحويل ملف الانسحاب من مطلب سياسي إلى التزام تفاوضي واضح، بما يحول دون اختزال المفاوضات بالترتيبات الأمنية وحدها، ويُبقي جوهر القضية حاضرًا على الطاولة حتى الوصول إلى التنفيذ الكامل للاتفاق.

فماذا في إيجابيات وسلبيات الطرح اللبناني في هذا التوقيت؟ يعتبر جوني أن "من إيجابياته أنه يكرس مفهوم السيادة الوطنية في إطار المسار التفاوضي القائم، ويؤكد أن الهدف النهائي من هذا التفاوض هو الوصول إلى انسحاب إسرائيلي كامل. فعندما يجري البحث في النقاط الخلافية على الحدود، تصبح الغاية المنشودة من هذا التفاوض واضحة، وهي الوصول إلى هذا الهدف، حتى وإن كان طرح هذا الملف في هذه المرحلة يُعد مبكراً".

أما السلبية، فتكمن في أن الجانب الإسرائيلي يتعامل مع هذا الملف ضمن معادلة تفاوضية غير متوازنة. فقرار التفاوض وجلساته انطلقت في ظل خلل واضح في ميزان القوى بين الموقف اللبناني والموقف الإسرائيلي، الذي لا يزال يحتل الأرض. لذلك، يُخشى أن يستغل الإسرائيلي هذا الخلل للضغط باتجاه فرض ترتيب حدودي جديد، ينطلق من هذا الاختلال في موازين القوى ويصب في مصلحته، بحسب جوني.

 

الحدود مسجلة 

في المقابل، يمتلك الجانب اللبناني أوراق قوة مهمة، أبرزها أن الحدود اللبنانية مسجلة لدى الأمم المتحدة وترتكز إلى خط الهدنة، وهي حدود مرسمة وموثقة، ما يشكل نقطة قوة للموقف اللبناني. إلا أن الجانب الإسرائيلي سيتمسك بما يُسمى الخط الأزرق، وهنا يكمن الفارق بين خط الانسحاب والحدود الدولية، وسيحاول استغلال اللحظة الراهنة، أو التوازن المفقود، لتكريس واقع حدودي جديد يحقق المصالح الإسرائيلية أو يخدم ما يمكن تسميته "الجغرافيا الإسرائيلية".

ويستكمل جوني في ما يتعلق بالسلبيات: "أما النقطة الأخرى، فهي أن البحث في ملف الحدود بالتوازي مع التفاوض الأمني قد يشتت الجهد ويصرف الاهتمام عن ملف المناطق التجريبية، في حين أن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون لهذا الملف. فالمفترض أن يجري التركيز على المناطق التجريبية المقبلة، وأن تكون ضمن مناطق لا تزال محتلة، وهو ما يحرص عليه الجيش اللبناني من خلال تحديد هذه النقاط، ومن هنا جاء طرح منطقتي بنت جبيل والخيام".

ورغم أن الأمل في تجاوب إسرائيل مع هذا الطرح يكاد يكون معدوماً، إلا أن مجرد طرحه يُعد خطوة جريئة من الجانب اللبناني. لذلك، ينبغي تركيز الجهد على ملف المناطق التجريبية، مع إمكانية تأجيل البحث في ملف الحدود، لأن طرحه في الوقت الحالي سيبقى نظرياً ولن ينعكس ميدانياً ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائماً، خصوصاً أن الانسحاب لا يزال مرتبطاً بإشكاليات عديدة، في مقدمها مسألة سحب سلاح حزب الله.

ويبقى نجاح هذا التوجه مرتبطاً بقدرته على الترجمة إلى مكاسب عملية، في مواجهة إصرار إسرائيلي على توظيف اختلال موازين القوى. وسيكون التحدي أمام لبنان في المرحلة المقبلة تحويل الإيجابية التي رافقت طرحه لملف الحدود، والإشادة الأميركية بالمقاربة التي قدّمها، إلى عنصر قوة على طاولة الجولة المقبلة من المفاوضات. إلا أن ذلك يبقى مرهوناً بمدى استعداد إسرائيل للانتقال من النقاش النظري إلى خطوات عملية، فيما هي تتمسك بمواقفها حيال المناطق التجريبية، ويستمر الاحتلال عاملاً يقيّد أي تقدم.