إسرائيل تلوّح بالنبطية بعد علي الطاهر وتوسّع خياراتها جنوبًا

بدأ الخطاب الإسرائيلي حول مرتفعات علي الطاهر ينتقل من الحديث عن "إنجاز عسكري" حققته القوات الإسرائيلية في المنطقة إلى طرح أسئلة عمّا يمكن أن يلي هذه العملية، مع بروز تقديرات إسرائيلية تتحدث عن إمكان توسيع التحرك العسكري باتجاه النبطية، مستفيدةً من الموقع الاستراتيجي للمرتفعات وإطلالتها على المدينة ومحيطها.

وفي هذا السياق، نقلت "القناة 14" الإسرائيلية عن العميد في الاحتياط هاريل كنافو، القائد السابق في الجيش الإسرائيلي وعضو "الحركة الأمنية"، تقديره بأن ما تعتبره إسرائيل "إنجازًا" في علي الطاهر قد يفتح أمام الجيش خيارات عملياتية إضافية في جنوب لبنان، من بينها التحرك باتجاه منطقة النبطية.

ولا يمثّل كلام كنافو، حتى الآن، إعلانًا رسميًا عن عملية إسرائيلية مقررة باتجاه النبطية، بقدر ما يعكس نقاشًا متصاعدًا في الأوساط العسكرية والإعلامية الإسرائيلية حول كيفية استثمار ما جرى في علي الطاهر، وما إذا كانت المنطقة ستتحول من هدف عسكري بحد ذاته إلى نقطة انطلاق لتحركات أوسع في عمق الجنوب.

 

علي الطاهر كنقطة انطلاق؟

وركّز كنافو على القيمة الجغرافية لمرتفعات علي الطاهر، معتبرًا أن أهميتها لا ترتبط فقط بما تزعم إسرائيل أنه وجود سابق لمقار ومنشآت تابعة لـ"حزب الله"، بل بموقعها الذي يسمح للقوات الإسرائيلية بالإشراف على مساحة واسعة من المنطقة المحيطة.

ووصف المرتفعات بأنها أشبه بـ"محور" يمكن استخدامه كنقطة انطلاق لما قد تحتاج إليه إسرائيل في مراحل لاحقة، قبل أن يقول، في إشارة إلى احتمال التقدم نحو النبطية، إنّ "هذا بالتأكيد أمر يمكن أن يكون الخطوة التالية".

ويكتسب هذا الكلام حساسية خاصة بالنظر إلى أن علي الطاهر لم تعد، في الخطاب الإسرائيلي الأخير، مجرد نقطة ميدانية مرتبطة بشبكة أنفاق أو بنى عسكرية. فقد بدأت إسرائيل تقديمها باعتبارها جزءًا من جغرافيا أمنية أوسع، تمتد وفق التصريحات الإسرائيلية الأخيرة إلى مرتفعات الشقيف ومناطق أخرى تريد تل أبيب الاحتفاظ بحرية الحركة والنيران فيها.

وهكذا، يصبح السؤال المطروح أبعد من مصير الموقع نفسه، ويتصل بما إذا كانت إسرائيل تحاول بناء قاعدة عملياتية جديدة تسمح لها بالضغط على العمق الجغرافي المحيط بالنبطية.

 

النبطية تدخل الخطاب العسكري الإسرائيلي

وذهب كنافو أبعد من ذلك، مشيرًا إلى أن مدينة النبطية تقع مباشرة في النطاق الجغرافي المطلّ عليه من مرتفعات علي الطاهر، واضعًا إياها إلى جانب صور ضمن أهم المراكز السكانية في جنوب لبنان.

ويحمل إدخال النبطية إلى هذا النوع من الخطاب دلالة سياسية وأمنية بالغة الحساسية. فالمدينة ليست منطقة حدودية أو نقطة عسكرية، بل مركز سكاني وإداري واقتصادي أساسي في الجنوب، وتشكّل عقدة تربط عددًا واسعًا من البلدات والقرى المحيطة بها.

لذلك، فإن الانتقال في النقاش الإسرائيلي من استهداف منشآت أو مواقع محددة إلى الحديث عن إمكان التقدم باتجاه مدينة بحجم النبطية يرفع مستوى التهديد، حتى ولو بقي حتى اللحظة في إطار التصورات والنقاشات العسكرية غير الرسمية.

بل إن كنافو طرح سيناريو أكثر تطرفًا، حين تحدث عن إمكان الدخول إلى مدن جنوبية وتدميرها، قبل أن يستدرك بأنه لا يدعو حاليًا إلى تنفيذ خطوة كهذه. وقال إن مثل هذا الخيار قد يشكل، من وجهة نظره، إحدى المراحل التالية في حال توسعت الحملة العسكرية.

وهذا الاستدراك لا يلغي خطورة الطرح، لكنه يبقيه في مكانه الصحيح، أي باعتباره رؤية لضابط احتياط إسرائيلي حول الخيارات الممكنة، لا قرارًا اتخذه المستوى السياسي أو قيادة الجيش الإسرائيلي.

 

تقليص القوات لا يعني إنهاء العمليات

وفي موازاة الحديث عن توسيع الحملة، تطرّق كنافو إلى المعلومات بشأن تقليص القوات الإسرائيلية في بعض مناطق الجنوب، معتبرًا أن الانسحاب من مواقع محددة لا يعني تراجع إسرائيل عن أهدافها أو انتهاء العمليات.

وقال إن هناك مناطق لم تعد القوات الإسرائيلية بحاجة إلى البقاء فيها بعدما "دُمّر كل ما كان ممكنًا تدميره"، وفق تعبيره.

ويتقاطع هذا الطرح مع المقاربة الإسرائيلية التي ظهرت أخيرًا في مرتفعات علي الطاهر نفسها، حيث تحدّث الإعلام الإسرائيلي عن إعادة انتشار وانسحاب محدود باتجاه مرتفعات الشقيف، فيما استمر المسؤولون الإسرائيليون في التأكيد أن القوات ستحتفظ بالقدرة على مراقبة المناطق التي أخلتها واستهدافها بالنيران.

وبذلك، تحاول إسرائيل الفصل بين الاحتلال المباشر لنقطة جغرافية وبين السيطرة العملياتية عليها. فقد تسحب وحداتها من موقع معين، لكنها تبقيه داخل نطاق المراقبة والاستهداف ومنع إعادة الانتشار فيه.

 

حملة مفتوحة لا "معركة منتهية"

وحذّر كنافو، في المقابل، من اعتبار العمليات ضد "حزب الله" قد انتهت، مستعينًا بمقارنة مع تنظيم "داعش" للقول إن تراجع تنظيم عسكري أو تعرّضه لضربات واسعة لا يعني انتهاء قدرته على إعادة تشكيل نفسه.

وتكشف هذه المقاربة عن محاولة إسرائيلية واضحة لنقل الحرب من مفهوم العملية المحدودة إلى مفهوم الحملة المفتوحة، بحيث لا يرتبط انتهاؤها بتحقيق هدف ميداني محدد، بل بتقدير إسرائيل نفسها لمستوى "التهديد" المتبقي.

وهنا تكمن دلالة الحديث عن النبطية بعد علي الطاهر. فالعملية الأخيرة، وفق هذا الخطاب، لا تُعرض باعتبارها نهاية مرحلة عسكرية، بل بوصفها منصة يمكن البناء عليها للانتقال إلى مرحلة أخرى.

وإذا كانت النبطية قد دخلت حتى الآن في دائرة التقديرات لا القرارات العملياتية المعلنة، فإن مجرد طرحها بهذا الوضوح في النقاش العسكري الإسرائيلي يضيف عنصر ضغط جديدًا إلى المشهد الجنوبي، ويطرح سؤالًا أكبر حول الحدود التي تريد إسرائيل أن ترسمها لعملياتها.

فبعد تحويل علي الطاهر إلى "إنجاز" ثم إلى نقطة ارتكاز، يصبح الخطر أن تتحول كل منطقة تُستهدف إلى مقدمة للمنطقة التي تليها، بما يجعل مفهوم "المنطقة الأمنية" الذي تروّج له إسرائيل نطاقًا قابلًا للتوسع، لا خطًا جغرافيًا ثابتًا.