إسرائيل "غير معنية" بتفاؤل واشنطن: هل ينزع بري فتيل الداخل؟

مناخُ الحرب على إيران شهد اليوم تحوّلًا واضحًا بإعلان دونالد ترامب أنَّ اتّفاقًا قد يحصل مع إيران خلال خمسة أيّام، وأنَّ الضربات الأميركيّة التي كانت مقرَّرة قد أُجِّلت. وتلاحقت بعد ذلك التسريبات من واشنطن عن احتمال عقد جولة مفاوضات بين الطرفين في باكستان. لكنَّ هذا الكلام المتفائل وُوجه بموقفَين مناقضَين من جانب الطرفَين المشاركَين في الحرب: إيران نفسها، التي نفت وجود مفاوضات أساسًا، وإسرائيل، التي أعلن فيها بنيامين نتنياهو أنَّه سيعمل على إحباط أيّ اتّفاق سيّئ مع إيران.

إذاً، قد تكون الجبهة الإيرانيّة أمام احتمال هدنة، أو اتّفاق مرحلي، أو تسوية كاملة، وقد لا تكون. لكن، في أيّ حال، لا يعني ذلك بالضرورة أنَّ جبهة لبنان ستكون أيضًا أمام تسوية مماثلة، ولو أنَّ واشنطن وطهران اتّفقتا على ترتيبات معيّنة تتعلّق بأذرع إيران الإقليميّة. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه ماضٍ في مهماته وهو غير معني ولا يتأثر بتصريحات ترامب. ومن الواضح أنَّ إسرائيل قرَّرت في الأيّام الأخيرة المضيّ في مواجهتها المفتوحة والطويلة مع حزب الله، وهي لذلك باشرت جدّيًّا عمليّات الهدم في القرى والبلدات، وتقطيع جسور الليطاني، وسط تهديدات متواصلة بإخلاء المنطقة. بل إنَّ بتسلئيل سموتريتش ذهب اليوم أبعد من ذلك بكثير، إذ طالب بأن يصبح الليطاني هو الحد الفاصل بين لبنان وإسرائيل.

كلّ ذلك، والداخل اللبناني منشغل بإيجاد مخارجه الخاصّة من المآزق التي يتخبّط فيها، من مأزق العجز في التّعاطي مع إسرائيل، إلى العجز في مقاربة ملفّ السلاح، إلى الإرباك في ملفّ النازحين، وما يقود إليه من هواجس.

بعبدا تحت ضغط الحرب 

في موازاة التصعيد الميداني، بدا واضحًا أنَّ قصر بعبدا تحوَّل إلى غرفة متابعة سياسيّة مفتوحة على الاحتمالات كلّها. فقد عقد رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون اجتماعًا مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، ثم استقبل لاحقًا رئيس الحكومة نواف سلام، في سياق مشاورات مكثّفة فرضتها الحرب وتداعياتها الداخليّة المباشرة. وعلمت "المدن" أن رئيس المجلس في صدد طرح مبادرة حوارية هدفها تخفيف التشنج وإيجاد مخارج للمأزق الداخلي.

فبحسب المعطيات، لم يكن البُعد الخارجي وحده في صلب هذه اللقاءات، بل تقدَّم عليه الهمّ الداخلي، نظرًا إلى حساسيّة المرحلة وخطورة التشقّقات التي يمكن أن تنشأ تحت ضغط النزوح والقلق الأمني والتجاذب السياسي. وقد تمحور النقاش حول ضرورة حماية السِّلم الأهلي، واتّخاذ إجراءات سريعة إزاء ملفّ النازحين، على أن تُمنح الأجهزة الأمنيّة الصلاحيّات الكاملة للقيام بدورها، بلا تردّد أو تضييع وقت.

وفي هذا السياق، برز استياء رئيس المجلس النيابي ممّا أُثير حول مركز الكرنتينا، في إشارة إلى أنَّ بعض الملفات الداخليّة باتت تُدار بعصبيّة عالية، وبما يهدّد بتحويلها إلى مادّة إضافيّة للانقسام، بدل أن تكون جزءًا من خطّة احتواء وطني شامل.

أمّا على مستوى المفاوضات، فتفيد المعلومات بأنَّ القراءة الرسميّة اللبنانيّة ما زالت تنطلق من قاعدة واحدة: انتظار ما سيفرضه الميدان. فإسرائيل، وفق هذه المعطيات، رفضت أصلًا مبدأ التفاوض مع لبنان لوقف إطلاق النار، ما دفع المجتمعين إلى تثبيت موقف واضح مفاده أنَّه "لا مفاوضات قبل وقف إطلاق النار". وهي عبارة تختصر، في جوهرها، مأزق الدولة اللبنانيّة: لا قدرة على فرض التفاوض، ولا استعداد للذهاب إليه تحت النار.

لقاء عون، برّي: تثبيت الجبهة الداخليّة

اللقاء بين عون وبرّي في قصر بعبدا لم يكن بروتوكوليًّا. كان، في المعنى السياسي، محاولةً لإعادة الإمساك بالداخل اللبناني قبل أن يخرج عن السيطرة. وقد توقّف الرئيسان عند التصعيد الإسرائيلي، ولا سيّما استهداف الجسور التي تربط الجنوب ببقيّة المناطق اللبنانيّة، وما قد يترتّب على ذلك من تداعيات ميدانيّة وإنسانيّة تتجاوز الحسابات العسكريّة المباشرة.

كما تناول البحث الأوضاع الاجتماعيّة والإنسانيّة الناتجة عن نزوح نحو مليون مواطن جنوبي من البلدات والقرى التي تعرّضت للقصف والتدمير. وإذ قيَّم الرئيسان إيجابيًّا الاحتضان الشعبي للنازحين، والمتابعة التي تؤمّنها لهم الإدارات الرسميّة والهيئات الإنسانيّة والاجتماعيّة، فإنَّ الرسالة الأوضح كانت التشديد على الوحدة الوطنيّة والتضامن بين اللبنانيّين، ورفض الانجرار خلف الشائعات والتحريض.

هذا التشديد لا يُقرأ فقط ككلام تهدويّ، بل كإقرار ضمني بأنَّ الخطر الداخلي بات حاضرًا بجدّيّة. فحين يعود الخطاب الرسمي إلى التذكير برفض الحرب الأهليّة، فهذا يعني أنَّ شبحها يُستدعى في مكانٍ ما، ولو على سبيل التهويل أو الاستثمار السياسي. ومن هنا، جاءت عبارة برّي بعد اللقاء، "بوجود فخامة الرئيس أنا مطمئن"، كرسالة طمأنة سياسيّة أكثر منها توصيفًا دقيقًا لموازين القلق القائمة في البلاد.

وبعد لقاء برّي، استقبل الرئيس عون رئيس الحكومة نواف سلام، الذي غادر من دون الإدلاء بأيّ تصريح، مكتفيًا بالقول: "أنا على تواصل يومي مع فخامة الرئيس، ونعمل جميعًا لوقف الحرب في أسرع وقت ممكن".

جنبلاط: لا تفاوض عبثيًّا

ضمن الحركة السياسيّة نفسها، استقبل الرئيس عون الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس الحزب النائب تيمور جنبلاط، حيث جرى عرض للأوضاع العامّة في البلاد.

موقف جنبلاط بعد اللقاء جاء متماسكًا مع خطٍّ سياسيّ يحاول الجمع بين الواقعيّة والتحذير. فقد رأى أنَّ "خطاب قسم رئيس الجمهوريّة مبنيٌّ على الهدنة والقرارات الدوليّة، وهذا يشكّل منطلقًا لأيّ مسار تفاوضي إذا دعت الحاجة"، معتبرًا أنَّ "رفض التفاوض من أجل الرفض واستخدام لبنان كساحة مفتوحة أمر مرفوض". لكنّه، في الوقت نفسه، قدَّم توصيفًا صريحًا لسلوك إسرائيل حين قال: "من قال إنَّ الإسرائيليّ يريد التفاوض فهو يقوم بالتدمير".

بهذا المعنى، لم يطرح جنبلاط تفاوضًا مجانيًّا، بل دعا إلى عقل سياسي يُدرك أنَّ الحرب الطويلة تستنزف الجميع، وأنَّ الأولويّة يجب أن تبقى لإنهاء الأزمة في أسرع وقت ممكن. كما وجَّه تحيّة إلى الجيش اللبناني، مستغربًا أيَّ تهجّم عليه "في عزّ الأزمات"، في موقف يعكس إدراكًا متقدّمًا لأهميّة المؤسّسة العسكريّة باعتبارها أحد آخر أعمدة التماسك الوطني.

جنبلاط أعاد أيضًا ترتيب أولويّات المرحلة في ثلاثيّة واضحة: الحوار، الأمن الداخلي، وملفّ النازحين. وفي الشقّ العملي، جدَّد طرح اعتماد البيوت الجاهزة بدل الخيم، كحلّ سريع وأكثر استقرارًا لإيواء النازحين إلى حين عودتهم. أمّا ردّه على سؤال عن وجود مشايخ مسلّحين، "ما في حدا مسلّح، نحن نحترم الدولة والأجهزة الأمنيّة"، فليس مجرّد نفي، بل محاولة استباقيّة لقطع الطريق على سرديّات الفوضى الأهليّة.

إسرائيل تقطع الجنوب: سياسة الحصار

ميدانيًّا، تمضي إسرائيل في عدوانها الرامي إلى ضرب البنية التحتيّة الحيويّة في جنوب لبنان، وتعمد إلى قطع خطوط الإمداد وعزل مناطق جنوب نهر الليطاني، متجاوزةً العواقب الإنسانيّة والاجتماعيّة لحربها على لبنان التي دخلت أسبوعها الرابع.

في هذا الإطار، تندرج الغارات العنيفة على جسر القاسميّة، إذ نفّذت إسرائيل تهديداتها باستهداف جسور رئيسيّة في الجنوب، فاستهدفت جسر القاسميّة الرئيسي، كما استهدفت ليلًا جسر قعقعيّة الجسر الرئيسي ودمّرته بالكامل.

وجسر القاسميّة ليس مجرّد معبر عادي. فهو يقع على الطريق الساحلي الرابط بين صيدا وصور، ويبعد نحو ستّة كيلومترات عن صور وثلاثين كيلومترًا عن صيدا، ويُعدّ أحد أبرز الشرايين الحيويّة في جنوب لبنان، كونه من بين خمسة جسور رئيسيّة تربط ضفّتَي نهر الليطاني. وبالتالي، فإنَّ استهدافه يعني فعليًّا فصل مناطق جنوب لبنان عن بعضها، وقطع التواصل بين شمال الليطاني وجنوبه.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، في بيان، أنَّه سيهاجم جسر القاسميّة والطريق الساحلي بهدف "منع حزب الله من نقل تعزيزاته"، قبل أن يقصفه بعد ساعات قليلة من التحذير. وبذلك، لم يعد استهداف البنية التحتيّة مجرّد نتيجة جانبيّة للعمليّات، بل تحوّل إلى جزءٍ معلن من الاستراتيجيّة الإسرائيليّة: عزل الجنوب، تضييق الحركة، رفع الكلفة الإنسانيّة، ودفع البيئة الحاضنة إلى مزيد من الضغط.

وبحسب مصادر مراقبة لمسار تطوّر المواجهات، فإنَّ استهداف الجسور الحيويّة لا يهدف فقط إلى عزل جنوب الليطاني عن شماله ومحاولة إحكام الحصار على حزب الله عبر قطع خطوط إمداد عسكري مفترضة، بل يمهِّد أيضًا لتحويل تلك المنطقة، أي جنوب النهر، إلى أرض محروقة، بما يتيح لإسرائيل النيل من أيّ قدرة للحزب على المقاومة.

غير أنَّ هذا الهدف لا يبدو سهل التحقيق حتى الآن، بدليل استمرار عمليّات الحزب بعد قصف عدد من الجسور. ولذلك، يُتوقّع أن تواصل إسرائيل استهداف ما تبقّى من جسور فوق مجرى النهر، ورصد وضرب أماكن أو منصّات إطلاق الصواريخ جنوب النهر وشماله، بالتوازي مع استمرار محاولاتها التقدّم برًّا عبر المحاور التي توغّلت فيها باتجاه العمق الجنوبي في قطاعاته الثلاثة: الشرقي والأوسط والغربي.

بين هدنة إيران وحرب لبنان: مساران لا يتطابقان

الخلاصة السياسيّة الأهمّ هنا أنَّ أيّ انفراج محتمل على الجبهة الإيرانيّة، سواء أخذ شكل هدنة أو اتّفاق مرحلي أو تسوية أوسع، قد لا يُترجم تلقائيًّا على الجبهة اللبنانيّة. فإسرائيل، في ما يبدو، اتّخذت قرارها بالمضيّ في حرب تستهدف ليس فقط قدرات حزب الله، بل البيئة الجغرافيّة والبشريّة التي يتحرّك فيها.

وفي المقابل، يقف لبنان الرسمي عند حدود إدارة الخطر، لا منعه، وعند حدود تحصين الداخل، لا إنتاج تسوية. لذلك، فإنَّ السؤال الفعلي اليوم ليس فقط ما إذا كانت الحرب على إيران ستبرد، بل ما إذا كانت إسرائيل تريد أصلًا أن تبرد الجبهة اللبنانيّة قبل أن تنجز مشروعها الميداني والسياسي فيها.

حتى الآن، الجواب لا يبدو مطمئنًا. فتل أبيب تتحدّث بلغة الحسم، وتعمل بلغة التدمير، فيما بيروت تحاول فقط ألّا تسقط من الداخل قبل أن تنتهي الحرب من الخارج. وفي هذه المسافة بين عجز الدولة، وتصعيد إسرائيل، وغموض المسار الإقليمي، يقف لبنان مرّةً جديدة على حافّة تسوية لا يملك شروطها، وعلى خطّ نارٍ لا يملك ترف تجاهله.