إسرائيل وحزب الله يُحبطان التحرّك الدبلوماسي لتجنيب لبنان الآتي الأعظم

تَقاطَعَتْ المؤشراتُ في الساعاتِ الماضية عند أن «حرب لبنان الرابعة» دَخَلَت مرحلةً جديدة، عسكرياً على مستوى الضربات الاسرائيلية والتوغلات - المداهمات، وسياسياً على صعيد بدء إفرازها إرباكات داخل السلطة وبينها وبين قوى وازنة، في الوقت الذي تحتجب المحركاتُ الدبلوماسية التي تحاول بيروت إدارتَها لوقف «الأعظم الآتي» خلْف هدير مواجهاتٍ يتلاقى كل من اسرائيل و«حزب الله» على المضيّ بها على قاعدة أن لا صوت يعلو في الوقت الحالي فوق صوتِ المعركة الموصولة بالجبهة المشتعلة في إيران ومقتضياتها.

وفي حين فعّلتْ اسرائيل، مجدداً «عقيدة الضاحية الجنوبية لبيروت» بموجات تدميرية من غارات استهدفت خصوصاً فروعاً لجمعية «القرض الحسن» بالتوازي مع إعلان جيشها عن عمليات دهْم في الجنوب و«القضاء» على خلية لحزب الله داخل قرية مسيحية، وتلويحٍ بأن القيادة الشمالية «تستعدّ لإدخال الفرقة 162 للعمل بشكل مستقل داخل لبنان» بما أوحى بتحضيرات لتوسيع العملية البرية التي تشتمل في جانبٍ منها على إنزالات تكرّرتْ في البقاع (النبي شيت)، بدت «بلاد الأرز» وكأنها «تستغيث» للخروج من دوامة دم ودمار زُجّ فيها من دون أن تَملك الأدوات اللازمة أو المؤثّرة التي تتيح لها «تذخير» أيّ مسار دبلوماسي بأبعاد تنفيذية تمنح الوسطاء ما يكفي من أوراق لإحداث الخرق الكفيل بوقف المزيد من الانحدار في الطريق إلى... جهنم
المساعي الدبلوماسية

وفي الإطار توضع المساعي الدبلوماسية التي يقوم بها لبنان الرسمي لاسيما عبر فرنسا لتأخير توسيع اسرائيل عملياتها العسكرية خصوصاً في الضاحية الجنوبية وبيروت، وكأنه يحاول من خلالها الاستفادةَ مما يَعتقد أنه حاجة

تل أبيب للتركيز أولاً على جبهة إيران بحيث أن نتائج «الحرب الأمّ» التي ألحق حزب الله البلاد بها ستكون كفيلةً بتحديد مسار ومصير الجبهة اللبنانية وربما تفادي السيناريو الكارثيّ، سواء بإطلاق العنان لآلة التدمير الأعتى والبناء عليها لاحقاً «على الطاولة» أو إدخالِ الوطن الصغير في صراعٍ داخلي تتعدّد فتائله، من قنبلةِ النزوح إلى كيفية إدارة وتنفيذ قرار الحكومة بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب وإلزامه بتسليم سلاحه للدولة.

وفي الوقت الذي كرّر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون جولة دبلوماسية الهاتف المكوكية، التي شملت مرة جديدة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مطالباً إياه بالامتناع عن توسيع العمليات العسكرية في لبنان، برزت نافذة أخرى عبر الأمم المتحدة التي أعلنتْ أن المنسّقة الخاصّة لها في لبنان جينين هينيس-بلاسخارت بدأت زيارة لاسرائيل «لإجراء محادثات في ظل تصاعد الأعمال العدائية، وستكون الحاجة المُلحة لإعادة الالتزام بالتنفيذ الكامل للقرار 1701 (2006) محوراً أساسياً في لقاءاتها».

على أن أوساطاً واسعة الاطلاع ترى أن أي مبادرةٍ دبلوماسيةٍ، وبينها على قاعدة إطلاق تَفاوُضٍ مدني في دولة ثالثة (قبرص) بين بيروت وتل ابيب وربما في شكل مباشر، وهو ما أبدى لبنان نيةً للسير به لوقف الحرب، بالتوازي مع مقترَحٍ بنشر الجيش في الضاحية الجنوبية - في محاولةٍ لمنع مَحوها واحتواء برميل بارود النزوح - تصطدم بمجموعة معوقات أبرزها:

- التَماهي غير المباشر بين اسرائيل و«حزب الله» على رفْض الجلوس على الطاولة:

الأولى لاعتبارها أن الحربَ مازالت في بداياتها ولن تتراجع قبل تحقيق هدف «القضاء نهائياً» على الحزب أو توفير الظروف لانهياره أو لتسهيل ترجمة الدولة اللبنانية قرارها بسحب ما يبقى من سلاحه وسط إشارات إلى أنها تخبئ مفاجآت في الميدان.

والثاني أي حزب الله لأنه لا يمكن أنه يفك الارتباط بجبهة إيران التي خاض الحرب باسم «الثأر» لمرشدها السيد علي خامنئي، ويتظهّر تباعاً الأثَر العسكري لهذا الانخراط عبر مشهدياتِ تَزامُنٍ في إطلاق الصواريخ على اسرائيل لإغراق المنظومة الدفاعية وتوزيع ضغط النار على جبهة مترامية وشراء الوقت في لعبة «عضّ الأصابع» الحارقة.

- عدم اقتناع اسرائيل ولا الولايات المتحدة بأن السلطة اللبنانية قادرة على التزام أيٍّ من تعهداتها في ما خص سحب سلاح «حزب الله» بحال توقفت الحرب الآن، وسط رسوخٍ لديهما بأنّ منطق إنهاء القتال والضربات ثم المضي بخطة حَصْرِ السلاح بات «منتهي الصلاحية» في ضوء تجربة أكثر من عام اتضح معها أن الحزب الذي يرفض تفكيك ترسانته مازال له وجود في جنوب الليطاني وعلى الحافة الأمامية حيث يخوض مواجهاتِ مع الجيش الاسرائيلي، ما يعني أن أيّ تسويةٍ حتى الآن محكومةٌ بأن يصار في الميدان قبْلها إلى إضعافِ الحزب لأقصى حدّ ثم إبرام اتفاق مع لبنان بشروط الميدان، وربما الاحتلال الجديد لأراضٍ لبنانية.