المصدر: النهار
الجمعة 10 نيسان 2026 08:26:59
لم يفضِ الانحسار النسبي للغارات الإسرائيلية على بيروت والمناطق اللبنانية يوم أمس إلى التخفيف من وقع المشهد الكارثي الذي ظلّ مرتسماً بقوة ومتقدماً المشهد اللبناني عموماً، غداة الإعصار الناري والدموي الذي خلفته موجة الغارات العنيفة على بيروت والمناطق في 8 نيسان الحالي.
إذ بدا لبنان رازحاً تحت وطأة النتائج الدموية والتدميرية المخيفة التي تكشّفت عنها الغارات وتفاقمت الصعوبات التي واجهت عمليات لملمة الخسائر، لا سيما على الصعيد الطبي والإيوائي في وقت تحدث فيه وزير الصحة عن سقوط 203 ضحايا وأكثر من ألف جريح، وأفيد عن وجود 95 جثة مجهولة الهوية في مستشفى الحريري في انتظار تعرّف ذويهم عليها. ولم تكن صورة التداعيات السياسية أفضل حالاً، خصوصاً بعدما عاد التصعيد الميداني في منطقة الحدود الجنوبية إلى التصعيد الحاد والمواجهات الشرسة وسط تسجيل تقدم إسرائيلي نحو بنت جبيل. ولذا اكتسب القرار الذي اتّخذه مجلس الوزراء بتكليف الجيش تنفيذ قرار حصرية السلاح في بيروت دلالات بارزة في توقيته والآثار التي ستترتب عليه، لجهة إعادة الاعتبار إلى صورة الدولة المهتزة، علماً أنه بدا لافتاً النهج المتهوّر الذي لجأ إليه "حزب الله" في دفع عدد من أنصاره إلى تنظيم تظاهرة "شتم" قبالة السرايا الحكومية للتهجّم على رئيس الحكومة نواف سلام الذي كان يعلن بالفم الملآن قرار تكليف الجيش بسط كامل سلطة الدولة على بيروت.
وعزي توتّر الحزب إلى الخشية من فقده ورقة "احتضان" إيران لشرط ربط الهدنة الأميركية- الإيرانية بوقف العمليات الإسرائيلية في لبنان، بعدما ثبت رفض واشنطن وتل ابيب لهذا الربط وعدم تنفيذ طهران وعيدها بعدم المشاركة في المفاوضات التي ستبدأ اليوم في إسلام آباد رداً على الهجمات الإسرائيلية الأربعاء على لبنان. وعلم في هذا السياق أن الموقف الذي أعلنه رئيس الجمهورية جوزف عون في مجلس الوزراء برفض أن تتولى أي جهة التفاوض عن لبنان غير الدولة اللبنانية، كان محطّ توافق تام بين رئيسي الجمهورية والحكومة والقوى المؤيدة للدولة في الحكومة، وأحيط رئيس المجلس نبيه بري علماً به.
أما التطوّر الأبرز الذي أعقب الأربعاء العاصف، فتمثّل في إعلان مفاجئ لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء أمس بأنه أصدر تعليماته بفتح مفاوضات مباشرة مع لبنان في أقرب وقت ممكن، موضحاً أن المفاوضات ستركّز على نزع سلاح "حزب الله" وإرساء السلام بين إسرائيل ولبنان. وأشار إلى أن إسرائيل "تقدّر" الدعوة التي أطلقها رئيس الحكومة اللبنانية لنزع السلاح في بيروت.
وأفادت صحيفة "جيروزاليم بوست" نقلاً عن مصدر إسرائيلي أن سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحئيل لايتر سيقود المفاوضات المتعلقة بلبنان.
وجاء ذلك بعد ساعات من إعلان الرئيس جوزف عون "أن الحل الوحيد للوضع الذي يعيشه لبنان حالياً هو في تحقيق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، تعقبه مفاوضات مباشرة بينهما، وأنه أجرى، ولا يزال، اتصالات دولية مكثّفة في هذا الإطار، وأن هذا الطرح يلقى ترحيباً دولياً كبيراً وبدأ يتفاعل إيجاباً في الأروقة السياسية الدولية".
وأفادت معلومات أن الامر جرى تداوله بين الرؤساء عون وبري وسلام، وأن الوفد المفاوض اللبناني مع إسرائيل لن يكون موسّعاً وسيتالف من شخصية واحدة تعاونها شخصية أخرى. وأفادت معلومات أن المفاوضات ستجرى في واشنطن ويتولى رعايتها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، ويتمثل لبنان بسفيرته في واشنطن ندى حمادة معوض، فيما يمثل إسرائيل سفيرها في واشنطن. وكانت ترددت معلومات أن السفير السابق سيمون كرم سيتولي التفاوض مع تعيين شخص آخر معه.
ونقلت رويترز عن مسؤول لبناني "إننا نطلب أن تكون واشنطن ضامنة لأي اتفاق مع إسرائيل"، وقال إن أي موعد أو مكان لم يحدّدا بعد للمحادثات وأن لبنان يدعم وقف نار موقت لإتاحة المجال لإجراء محادثات مع إسرائيل. ويرجح أن تبدأ المفاوضات يوم الثلاثاء المقبل في واشنطن. كما أن موقع أكسيوس أفاد أن مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان ستبدأ الأسبوع المقبل.
ووسط حداد وطني وبينما تم تنكيس الأعلام في بعبدا حداداً على الضحايا الذين سقطوا الأربعاء، التأم مجلس الوزراء في القصر الجمهوري. وبعد الجلسة، خرج رئيس الحكومة نواف سلام، الذي كان اجتمع إلى رئيس الجمهورية جوزف عون قبل الجلسة، كما زار عين التينة صباحاً، ليعلن أنه "سنداً لوثيقة الطائف وقرارات الحكومة وحفاظاً على سلامة المواطنين، يُطلب إلى الجيش والقوى الأمنية المباشرة بتعزيز بسط سلطة الدولة في محافظة بيروت وحصر السلاح بالقوى الشرعية واتّخاذ التدابير بحق المخالفين. وأعلن أيضاً "التقدم بشكوى أمام مجلس الأمن غداة تصعيد إسرائيل الخطير".
بدوره، أكد رئيس الجمهورية "أن الاتصالات التي نقوم بها، دولة الرئيس وأنا، مع عدد من أصدقاء لبنان في العالم، نطالب فيها بإعطاء فرصة كما أعطيت للولايات المتحدة الأميركية وإيران لوقف إطلاق النار والذهاب إلى المفاوضات، والضغط في اتجاه أن يكون لبنان جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار لكي ننطلق في المفاوضات". أضاف: "النقطة الأساسية الثانية هي أننا دولة لها كيانها وموجودة، والدولة هي التي تفاوض، ولا نقبل بأن يفاوض أي أحد سوانا. فنحن لنا القدرة والإمكانيات للتفاوض، وتالياً لا نريد أن يفاوض أي أحد عنا. هذا أمر لا نقبل به".
واتصل الرئيس سلام برئيس مجلس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وأشاد بالجهود التي قام بها والتي أدّت إلى وقف إطلاق النار. وطلب منه التأكيد أن وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان منعًا لتكرار الاعتداءات الإسرائيلية التي شهدناها أمس. ودان رئيس وزراء باكستان الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، وأكد أن بلاده تعمل لتأمين السلام والاستقرار فيه.
وعلى اثر القرار الحكومي، قال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع: "إنه قرار أصاب جوهر المشكلة. صحيح أن خطوة الحكومة هذه هي خطوة أولى على طريق الألف ميل، لكنها خطوة معبّرة جدًا تقف أكثرية اللبنانيين خلفها. إن الجيش والقوى الأمنية المعنية لا تستطيع التذرّع بعد هذا القرار بعدم وجود قرار سياسي لبسط سلطة الدولة بشكل فعلي، ولو على مساحة محافظة بيروت في مرحلة أولى. إن الجيش اللبناني والقوى الأمنية المعنية، كما المراجع القضائية المختصة، مدعوّون لتنفيذ قرار الحكومة من دون إبطاء، وبشكل يعيد للمواطن اللبناني أينما وجد ثقته بأن هناك في لبنان دولة تحميه وترعى شؤونه، وبأنه ليس متروكًا لمصيره".
ميدانياً أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً عاجلاً بعد الظهر إلى سكان الضاحية الجنوبية وخصوصاً في احياء حارة حريك، الغبيري، الليلكي، الحدت، برج البراجنة، تحويطة الغدير، الشياح والجناح.
واستتبع الإنذار بموجة نزوح جديدة من مناطق الضاحية.
وأخلت محطة "ان بي ان" التلفزيونية مكاتبها في الجناح وأعلنت اعتذارها عن "عدم تقديم نشرات الأخبار ومواكبة الأحداث والبث الاعتيادي بسبب التهديد الإسرائيلي الأخير".
وفيما تحدثت التقارير عن احتدام المواجهات الميدانية حول مدينة بنت جبيل، أفادت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية أن "الجيش الإسرائيلي يحاصر بلدة بنت جبيل جنوب لبنان بهدف السيطرة عليها. وتشير التقديرات إلى وجود ما بين عشرات ومئات من عناصر حزب الله في البلدة، بمن فيهم عناصر من قوة الرضوان".
وأضافت الصحيفة أن "الفرقة 98 كوماندوز أنهت عملية تطويق بلدة بنت جبيل، الواقعة في القطاع الأوسط، والتي تُعتبر معقلاً لحزب الله منذ سنوات، فجر الخميس".
ويُقدّر الجيش الإسرائيلي أن الحزب قد استعاد سيطرته على البلدة والعديد من الأحياء خلال العام ونصف العام الماضيين، فيما تحدثت معلومات عن تقدم الجيش الإسرائيلي إلى وسط بنت جبيل أهم بلدة بجنوب الليطاني.
أما "حزب الله"، فأعلن أنه خاض اشتباكات من مسافة صفر مع قوة إسرائيلية مؤللة حاولت التقدم باتجاه سوق مدينة بنت جبيل.