"إشتباك منضبط".. لماذا طلبت طهران من حزب الله تجنّب حرب شاملة مع إسرائيل؟

قال مصدران لبنانيان؛ أمني وسياسي، لـ "إرم نيوز" إن قيادة حزب الله تلقّت رسائل عاجلة من طهران خلال الساعات التي أعقبت الهجوم الصاروخي الإيراني على إسرائيل، حملت توجيهات واضحة بضرورة تجنب الانجرار إلى حرب واسعة من الأراضي اللبنانية، رغم التوتر غير المسبوق الذي أعقب الضربات المتبادلة بين الطرفين. 

معادلة الردع
وبحسب المصدر السياسي القريب من أوساط "حركة أمل"، فإن القيادة الإيرانية تنطلق في حساباتها الحالية من معادلة مختلفة عن تلك التي حكمت سلوكها خلال الأشهر الماضية. فبعد الهجوم الصاروخي الإيراني والرد الإسرائيلي العنيف الذي استهدف مواقع عسكرية ومنظومات دفاع جوي ومنشآت مرتبطة ببرنامج الصواريخ إضافة إلى مجمعات اقتصادية وبنى تحتية حساسة، باتت طهران أكثر اقتناعاً بأن أي تصعيد إضافي قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من الضربات يصعب احتواؤها.

ويقول المصدر إن الرسائل الإيرانية إلى حزب الله جاءت في سياق الحفاظ على الجبهة اللبنانية حاضرة في معادلة الردع، لكن دون السماح بتحولها إلى شرارة لحرب شاملة قد تستدرج إسرائيل إلى حملة عسكرية جديدة ضد إيران وأيضا ضد ما تبقى من قدرات لحزب الله.

لماذا ردت إيران أصلاً؟
بحسب المصدر السياسي، لم يكن الهدف الأساسي من الهجوم الإيراني الأخير تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة بقدر ما كان منع إسرائيل من فرض معادلة جديدة في المنطقة تقوم على استهداف حزب الله بصورة منفردة دون رد إيراني.

ويقول المصدر إن طهران رأت في الهجوم الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية والضرب العنيف لمواقع الحزب محاولة لفصل الساحة اللبنانية عن الصراع الإيراني الإسرائيلي وتحويل حزب الله إلى هدف معزول يمكن استنزافه تدريجياً.

ولهذا السبب، جاء الرد الإيراني ليحمل رسالة مزدوجة؛ الأولى أن حزب الله ما زال جزءاً من منظومة الردع الإيرانية، والثانية أن أي استهداف واسع للحزب وخاصة في الضاحية الجنوبية، لن يبقى شأناً لبنانياً صرفاً.

لكن هذه الرسالة لا تعني، وفق المصدر، أن إيران تريد الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، بل على العكس، فهي تعتبر أن تثبيت قواعد الردع لا يستوجب حالياً إشعال حرب جديدة.

طهران ترمم خسائرها
من جهته، يشير المصدر الأمني إلى أن أحد الأسباب الرئيسة وراء الحرص الإيراني على ضبط الإيقاع الميداني يتمثل في حجم الأضرار التي لحقت بالبنية العسكرية الإيرانية خلال الأشهر الماضية. فإيران ما زالت تعمل على إعادة بناء أجزاء من منظومات الدفاع الجوي، وإعادة تنظيم بعض البنى المرتبطة ببرنامج الصواريخ، إلى جانب معالجة التداعيات الاقتصادية الناتجة عن الضربات التي استهدفت منشآت حيوية ومراكز إنتاج مرتبطة بالقطاع الصناعي والطاقة.

ويضيف أن القيادة الإيرانية تدرك أن أي جولة جديدة من التصعيد قد تمنح إسرائيل فرصة لمواصلة استهداف هذه البنية في وقت لم تستكمل فيه طهران بعد عملية الترميم وإعادة الانتشار.

كما تخشى إيران من أن يؤدي أي تصعيد واسع إلى تدخل أمريكي مباشر أو غير مباشر، وهو ما قد يعقد حساباتها الإقليمية ويقوض الجهود السياسية الجارية مع واشنطن.

لبنان دخل حسابات التفاوض
يرى المصدر الأمني أن طهران لم تعد تنظر إلى حزب الله فقط كذراع عسكرية أو ورقة ردع، بل أيضاً كجزء من ملفات التفاوض الإقليمي الأوسع. فإيران تدرك أن مستقبل الجبهة اللبنانية بات مطروحاً بصورة متزايدة في النقاشات الدولية المتعلقة بأمن المنطقة، وأن أي حرب واسعة قد تؤدي إلى تغييرات يصعب التحكم بنتائجها.

ولهذا السبب، تحاول القيادة الإيرانية الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً: منع إسرائيل من الاستفراد بحزب الله، وفي الوقت نفسه منع الحزب من الانجرار إلى مواجهة قد تؤدي إلى تدمير ما تبقى من قوته العسكرية.

ويقول المصدر إن هذه المعادلة تفسر الرسائل الإيرانية الأخيرة للحزب، والتي تقوم على إبقاء الجبهة اللبنانية ضمن حالة "الاشتباك المنضبط"، بما يحفظ موقع الحزب داخل معادلة الردع دون تحويله إلى رأس حربة في حرب جديدة. 

حزب الله بين الحاجة والخشية الإيرانية
في المحصلة، يرى المصدران، أن حزب الله بات يشغل موقعاً مختلفاً في الحسابات الإيرانية. فطهران ما زالت تعتبره أهم أوراق نفوذها الإقليمية وأكثرها تأثيراً في أمن إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر خوفاً من خسارته في حرب واسعة مما كانت عليه في السابق.

ولهذا، فإن الرسالة الإيرانية بعد التصعيد الأخير، يمكن اختصارها بمعادلة واحدة: منع إسرائيل من كسر حزب الله، ومنع حزب الله من إشعال حرب جديدة. ففي اللحظة التي تعمل فيها إيران على ترميم قدراتها العسكرية والاقتصادية، وتسعى إلى تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لا يبدو أن طهران مستعدة للمغامرة بأهم أصولها الإقليمية، حتى وهي تحاول إثبات أنها ما زالت قادرة على الدفاع عنه، وفقًا للمصدر السياسي اللبناني.