المصدر: نداء الوطن
الكاتب: زيزي اسطفان
الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026 07:38:43
حنين جماعي يعيشه أبناء بيروت وزوارها كلما مرّوا في شارع الحمرا أو جلسوا على كرسي في مقهى من تلك المقاهي التي لا تزال صامدة في الشارع. الزمن تغيّر وتغيرت معه القهاوي التي كانت تميّز شارع الحمرا وغيره من شوارع وأحياء بيروت، فالمقاهي التي كانت يومًا ملتقى المثقفين والفنانين ومختبرًا للأفكار اندثرت وتحوّلت في العقد الأخير إلى واجهات تجارية تواكب العولمة وتُجَاري أحدث الترندات العالمية. من "الهورس شو" و "الويمبي" إلى "ستارباكس" و "ستوريز" رحلة اختفاء المقاهي التي كانت نبض بيروت وذاكرتها وصعود "الكوفي شوب" بملاحمها الأجنبية وروادها الباحثين عن الصورة والبوست .
يعود بنا الزمن بعيداً إلى الوراء إلى أيام لم تكن فيها مقاهي بيروت مجرد مساحات للترفيه وقتل الوقت بل كانت رمزًا يعكس البريق الثقافي لبيروت العاصمة والنسيج الاجتماعي الفريد لأهلها وقبضاياتها كما لتجارها وزوارها. على مدى عقود طويلة شكلت المقاهي قلب الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية للعاصمة وتطورت مع تطور الحياة في بيروت وتطور دورها. لكن الزمن دار دورته وألقت الحروب والتحولات الاجتماعية والمدنية بظلالها عليها ودفعت بأسمائها المعروفة إلى إقفال أبوابها تباعًا، فتوقف الزمن خارج عتباتها مسدلًا الستار على فصل أساسي من ذاكرة بيروت.
القهاوي تحولت إلى "كوفي شوب" وصار روادها طلاب الجامعات ورجال الأعمال يبحثون فيها عن اتصال بالإنترنت أكثر من بحثهم عن فنجان قهوة لذيذ أو لقاء مع صديق. لا شك أن لقاءات الشباب والصبايا وصبحيات النساء تبث الروح في أجواء الكافيهات لكن شيئًا ما انكسر بين الأمس واليوم، بين مساحات حقيقية تشبه روادها. وتحمل رائحة البن المطحون وأصوات خبطة الزهر على الطاولة وشجارات الرواد حول شؤون البلد ومساحات استثمارية مستجدة بديكورات متشابهة ونكهات مستوردة، تبيع "الستايل" أكثر مما تقدّم لقاء حقيقيًا بين الناس. كافيهات بنكهات أميركية معولمة تتبع الموضة الغربية بحذافيرها، من أصناف القهوة ومشتقاتها إلى الموسيقى والديكور أفقدتها تلك الروح الحميمة التي ميّزت جلسات بيروت يومًا وجعلتها عاصمة الحوار والانفتاح. "المولات" سرقت دور الأسواق والشوارع، وجلسات الكافيهات تحولت إلى مشهد استهلاكي تحتله الشاشات والصور. ما عاد فنجان القهوة بنكهته ورائحته بل بكوبه وأسمائه الغريبة وما عادت اللقاءات بأحاديثها وجدالاتها بل بصورها وبوزاتها وبوستاتها .
نارة يا ولد...
زياد سامي عيتاني البيروتي الأصيل والإعلامي الباحث في التراث الشعبي يروي كيف كانت قهاوي بيروت القديمة تخبئ الكثير من الحكايات والنوادر والمآثر المتعلقة بمروءة ورجولة القبضايات وطرائف الظرفاء ونقاشات السياسيين والأدباء فضلًا عن حماسة وزكزكات لاعبي الورق وطاولة الزهر والداما على وقع صوت يتردد: "نارة يا ولد"... يرسم عيتاني تفاصيل ذاك الزمن راويًا أن مقاهي بيروت لم تكن مجرّد أماكن لاحتساء القهوة أو تمضية الوقت، بل كانت مسارح مفتوحة للحياة اليومية، تُكتب فيها السياسة، ويُصاغ الأدب، وتُروى الحكايات التي شكّلت ذاكرة المدينة. في تلك القهاوي، كان اللبنانيون "يلتقون بلا مواعيد، ويتجادلون بلا حواجز، ويصنعون تاريخهم على طاولات خشبية متواضعة. في تلك الحقبة كانت المقاهي هي المكان الوحيد المتاح أمام الرجال للتلاقي والتسلية والترفيه والملتقى لشرائح اجتماعية متفاوتة وكانت على ارتباط وثيق بالحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية للعاصمة. فيها كانت تعقد الصفقات بين التجار المحليين والوافدين ومنها تنطلق الدعوات للتظاهرات والإضرابات". كانت القهاوي المطبخ الذي تطبخ فيه الانتخابات ويجرى فيها تكليف المفاتيح الانتخابية للانطلاق في العمل. فكان الزعماء والنافذون يلتقون حول طاولاتها لإدارة معاركهم وحبك تحالفاتهم.
في تلك المقاهي البيروتية المعروفة كان القبضايات وزعماء الأحياء يحلون خلافات أبناء الحي على فنجان قهوة. ومن تلك الحقبة يذكر الإعلامي زياد دندن رئيس جمعية تراث بيروت الحاج سعيد حمد وفاروق شهاب الدين وغيرهما من القبضايات الذين كانوا يصالحون المتخاصمين ويشكلون جلسات معاقبة للمرتكبين. ومن الأحكام التي كانت تصدر حينها منع من أخطأ من دخول القهوة أو تهميشه وإبعاده عن المشاركة في الحياة العامة...
ويذكر دندن بعض أسماء القهاوي القديمة مثل قهوة "المتوكل" في البسطا وقهوة "صليبا" في المزرعة التي لا تزال على حالها حتى اليوم بجلستها وكراسيها وطاولاتها. ولا يزال كبار السن في المنطقة ولاعبو الورق يقصدونها اليوم كما في الأمس. ويذكر إحدى القهاوي التي "انتزع" صيتها في شارع بربور لأنها كانت تضم جلسات قمار وكان يمنع على صغار السن والشباب أن يمروا بالقرب منها حتى لا يسمعوا شتيمة أو كلمة في غير محلها ...
كانت المقاهي أيام زمان تتوزع بين مقاهي وسط بيروت المفتوحة لكل من يقصد المدينة من سواح وتجار ومتسوقين وتتنوع بين الشعبي والراقي، ومقاهي الأحياء والزواريب الشعبية خارج الوسط ولديها زبائنها الدائمون من أبناء الأحياء المحيطة.
"هدّ الكوكب صحن الفول"
يقلّب زياد سامي عيتاني في تاريخ بيروت وتاريخ مقاهيها القديمة فيروي أنه من ساحة البرج إلى ساحتي النجمة والدباس، انتشرت القهاوي منذ أواخر القرن التاسع عشر، فغدت ملتقى لكل الفئات. في "قهوة القزاز"، ذات الواجهة الزجاجية التي لا تفصل الداخل عن الخارج، كان أبناء الجبل يتواعدون قبل العودة مساءً إلى قراهم. وعلى مقربة من السراي، شكّل "مقهى السراي" و"الباريزيانا" و"كوكب الشرق" محطات يومية للروّاد، قبل أن يتحوّل الأخير إلى ذكرى مأسوية عام 1934، حين انهار المبنى وسقط عشرات القتلى، فخلّد عمر الزعني الحادثة ببيته الساخر الذي تناقله البيروتيون طويلاً: "مش معقول، مش معقول، يهدّ الكوكب صحن الفول". في هذه القهاوي كانت تحتدم المنافسة بين مؤيدي ديغول ومؤيدي تشرشل وحتى هتلر كان له مؤيدوه وإن بصوت أقل لعلعة من الباقين.
كانت القهوة في تلك الأيام تُشرب على مهل، والكلام يُقال جهارًا لا همسًا. في تلك المقاهي، جلس التاجر إلى جانب العامل، والسياسي قرب الصياد، تحت أعين "القبضايات" الذين فرضوا نظامهم الخاص، وحلّوا الخلافات بكلمة ومروءة. ولم يكن غريبًا أن تتحوّل القهاوي، في مواسم الانتخابات، إلى مكاتب سياسية غير معلنة. مقاهي البسطة، مثلاً، كانت محسوبة على الرئيس صائب سلام، فيما كان "مقهى صليبا" في المزرعة، الذي افتتح عام 1951، تحت رعاية الوزير البيروتي هنري فرعون يقصده مع النائب نسيم مجدلاني. أما "مقهى الجميزة"، الذي بدأ خيمة عام 1929 كما يروي عيتاني على يد "الأسطا باز"، فكان مكتبًا انتخابيًا للشيخ بيار الجميل. بعض أصحاب القهاوي آمنوا بقاعدة واحدة: صورة الرابح تبقى على الجدار، وصورة الخاسر تُنزَع فور إعلان النتائج.
سياسة وأشعار على الطاولة
ثقافيًا، يروي عيتاني أن القهاوي كانت ورش عمل مفتوحة. في "قهوة أبو متري"، ملجأ الشعراء، يروى أن سهرة أدبية امتدت حتى الفجر، وحين انفض الجمع، أيقظ صاحب المقهى النادل قائلًا: "قوم يا صبي كنّس الأشعار". وفي "مقهى فاروق"، في بناية قدّورة، جلس الشاعر أحمد الصافي النجفي ورفاقه، فتجمّع الناس حولهم ليستمعوا إلى سجالاتهم الأدبية. وعلى رصيف "المقهى الشرقي"، اتخذ الأديب عمر أبي النصر من مدخل "التياترو الكبير" مكتباً له، يكتب بيد ويمسك نربيش الأركيلة بالأخرى. ويذكر البيروتيون القدامى قهوة "الحاج داوود" التي كانت عرزالًا لداوود الخطاب يقصده أصدقاؤه ثم كبرت وازدهرت وتحولت إلى قهوة يؤمها رؤساء الحكومات ونواب ووزراء وكل من لديه اهتمام بالشأن العام. وإلى جانبها قامت قهوة "البحري" التي تفوقت على مقهى الحاج داوود بمطبخها ومأكولاتها البحرية كما يقال. صور أمّحت من الذاكرة وطواها الزمن لكن الحنين إليها لا يزال يدفع بمحبي بيروت القدامى إلى إعادة استذكارها وإن كانوا عاجزين عن إحيائها.
ولم تكن السياسة بعيدة عن هذه الطاولات في بدايات القرن العشرين حتى منتصفه. في "مقهى النجار" قرب السراي، نوقشت شؤون الانتداب والانتخابات، وجلس رجال دولة من أمثال رياض الصلح وبشارة الخوري وميشال زكور، فيما خرجت من هناك مبادرات نقابية واجتماعية، بينها تأسيس جورج عقل نقابة السائقين ولجنة الدفاع عن المستأجرين. ويروي أحفاد من عاشوا تلك الحقبة أن السياسيين كانوا يجلسون في المقاهي الشعبية ليتقربوا من الناس ويصنعوا شعبية لأنفسهم ويضحكوا على جمهورهم بالألفة والوعود في شعبوية تشبه شعبوية أحزاب اليوم في مهرجاناتهم وخطاباتهم.
في شهر رمضان، كانت للمقاهي حياة أخرى. بعد صلاة التراويح، يحتشد الروّاد لسماع الحكواتي بزيّه التقليدي، يروي سيرة عنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن. ويُحكى أن أحد المستمعين لم يحتمل أن يترك عنترة أسيرًا حتى الليلة التالية، فذهب إلى بيت الحكواتي وهدده إن لم يُحرّره فورًا. كما يُروى أن زواج عنترة من عبلة تحوّل في أحد الأحياء إلى مناسبة شعبية زُينت لها الأزقة وقُرعت الطبول...
مقاهي الرصيف وعز الحمرا
مع خمسينات وستينات القرن الماضي، انتقلت روح المقهى إلى شارع الحمراء. هناك، وُلدت مقاهي الرصيف ذات الطابع الأوروبي، فكان "الهورس شو" منذ افتتاحه عام 1959 ملتقى للمثقفين العرب واللبنانيين، إلى جانب "الويمبي" و "المودكا" و "الكافيه دو باري". على تلك الطاولات، كتب نزار قباني ومحمد الماغوط، وتناقش يوسف الخال وأدونيس، ورُسمت أفكار سياسية وثقافية كبرى، حتى بات بعض المقاهي بعد 1967 أشبه بغرف سرّية للأحزاب والمعارضات لا سيما اليسارية منها. كما كانت مقاهي الأرصفة ملتقى لجميلات بيروت وصباياها يجلسن على شرفاتها الخارجية ليتحولن إلى فرجة للمارين وجلسة استراحة مسائية للخارجين من دور السينما والمسارح العديدة المنتشرة في شارع الحمرا . في رأس بيروت اشتهرت قهوة "فيصل" في شارع بلس وكان يقصدها السياسيون والمفكرون ومن بينهم منح الصلح الذي كان يجمع حوله ثلة من المفكرين، كما كان يؤمها طلاب الجامعة الأميركية و أساتذتها وخريجوها .
وتروي صحافية قديمة بضحكة أن المثقفين والفنانين والصحافيين والتشكيليين كانوا يجتمعون لساعات حول فنجان قهوة في نقاشات لا تنتهي دون أن يطلبوا أي شيء آخر ما جعل بعض أصحاب المقاهي يتذمرون منهم ويحددون الوقت لجلوسهم .
زمن الشبيحة
جاءت الحرب، تبدّلت المدينة وتغيرت الأمكنة. أُقفلت المقاهي القديمة، وحلّت مقاهٍ حديثة بلا ذاكرة. ومع كل باب أُغلق، انطفأت حكاية، وغابت وجوه، وبات الجلوس على القهوة يورث شعوراً بالوحدة بدل الألفة. وما عاد الناس راغبين بالتعرف إلى وجوه جديدة في القهوة بعد أن غابت الوجوه التي ألفوها. في الحرب حل المسلحون مكان القبضايات في المقاهي وخربطوا أجواءها وكان صاحب المقهى أمام خيارين: إما الرضوخ واستقبال المسلحين أو منعهم من الدخول والتعرض لخطر إقفال القهوة. صارت قهاوي الأحياء مراكز تجمع للحزبيين من مقاتلين وشبيحة وزعران وحلّت جلسات الأرصفة وماكنات الإكسبرس مكان القهاوي الرسمية وصارت مركز تجمعات للعاطلين عن العمل ومنطلقً للمشاكل والإشكالات الأمنية.
اليوم، لم يبق من تلك القهاوي سوى ذاكرة زمنٍ كانت فيه بيروت تُدار على طاولات خشبية وتُصاغ أفكارها بين فنجان وآخر. لكن رغم تبدل الزمن لا تزال بعض المقاهي تقاوم وتحاول أن تحجز لها مكانًا في المساحة الثقافية لبيروت فتحول جلساتها إلى لقاء مع الكتب وجدرانها إلى مكاتب عامة كقهوة "تاء مربوطة" في بيروت أو قهوة برزخ في الحمرا أو كافيه يونس التي لا تزال ملتقى الطلاب والمثقفين. ولا تزال بعض مقاهي الأحياء التي استطاعت الصمود في المزرعة والجميزة ومار مخايل ملتقى لكبار السن يتشبثون فيها بمآثر زمن اندثر.