إيران... أمام "بنك أهداف" محتمل

تمتلك إيران شبكة معقّدة من المنشآت النفطية والموانئ الاستراتيجية، إضافة إلى مؤسسات عسكرية وسياسية مركزية تلعب دورًا محوريًا في إدارة الاقتصاد الوطني وتأمين الاستقرار الداخلي والخارجي. وتُعدّ هذه البنية، وفق تقديرات مراكز أبحاث غربية وتصريحات سياسية أميركية، من بين الأصول الحسّاسة التي تُدرج عادة ضمن سيناريوات الضغط أو المواجهة في حال أي تصعيد عسكري محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي هذا السياق، تشير تحليلات سياسية (منها FDD، مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مركز أبحاث)، إلى أن هذه المنشآت النفطية، والموانئ الحيوية، ومراكز القرار العسكرية والسياسية (منها ISW، معهد دراسة الحرب وهو يوفر بحوثًا وتحليلات حول النزاعات المسلحة الحديثة بالإضافة إلى Critical Threats، وهو معهد متخصص بدارسة التهديدات العالمية الحرجة)، تُدرج عادة ضمن ما يُعرف بـ "بنك الأهداف" في أي سيناريو مواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة. وقد تعزز هذا التصور عقب تصريحات علنية للرئيس الأميركي دونالد ترامب لوّح فيها بإمكانية التدخل العسكري أو استخدام القوة لإسقاط النظام الإيراني.

يتربع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، على قمة هرم القيادة العسكرية في إيران، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتمتع بسلطة مطلقة على جميع التشكيلات العسكرية والأمنية في البلاد. ومن خلال هذا الموقع، يحدد خامنئي الاستراتيجية الكبرى للدولة الإيرانية، وهي استراتيجية ركزت، على مدى عقود، على هدفين رئيسيين: الحفاظ على النظام القائم وتصدير أيديولوجيته الثورية خارج الحدود.

وفي إطار هذه الرؤية، عمل خامنئي على تطوير القوات المسلحة الإيرانية وتكييف بنيتها وأدوارها لتنفيذ مهام متعددة تخدم هذه الاستراتيجية، سواء على المستوى الداخلي أو الإقليمي. وبالتوازي، كرّس جهودًا طويلة لترسيخ ثقافة الولاء التام والخضوع المباشر للمرشد الأعلى داخل المؤسسة العسكرية، باعتبار ذلك إحدى ركائز استقرار النظام واستمراريته.

في المقابل، لا يندرج كل من رئيس الجمهورية ووزير الدفاع ضمن سلسلة القيادة العسكرية المباشرة. إذ يظل دورهما في الشأن العسكري محدودًا من الناحية العملياتية، ويقتصر تأثيرهما على صياغة سياسة الأمن القومي من خلال قنوات غير مباشرة، أبرزها الوصول إلى المرشد الأعلى ومشاركتهما في المجلس الأعلى للأمن القومي. أما الانخراط في العمليات العسكرية أو إدارة الحروب، فيبقى خارج نطاق صلاحياتهما الفعلية.

وتتولى وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة مسؤولية إدارة القاعدة الصناعية العسكرية، بما يشمل تصنيع الأسلحة وشرائها وبيعها، إضافة إلى الجوانب اللوجستية، من دون أن تمتلك سلطة قيادية على القوات المقاتلة نفسها.

ورغم وجود تسلسل هرمي رسمي واضح للقوات المسلحة يخضع بالكامل للمرشد الأعلى، فإن طريقة عمل هذه المؤسسة لا تقتصر على البنية الرسمية وحدها. إذ تلعب شبكات التأثير غير الرسمية والعلاقات الشخصية دورًا مهمًا في آليات اتخاذ القرار، وهو ما انعكس في مناسبات عدة عبر إصدار خامنئي أوامر مباشرة لقادة الأفرع العسكرية، متجاوزًا أحيانًا القنوات البيروقراطية.

وفي هذا الإطار، تنقسم القوات المسلحة الإيرانية إلى ثلاثة فروع رئيسية، جميعها يخضع بشكل مباشر للمرشد الأعلى، ما يعكس الطبيعة المركزية الشديدة للسلطة العسكرية في إيران، ويؤكد أن القرار العسكري النهائي يظل محصورًا في يد شخص واحد، يمثل نقطة الارتكاز الأساسية في منظومة الحكم والأمن القومي.

تنقسم القوات المسلحة الإيرانية إلى ثلاثة فروع رئيسية تحت المرشد الأعلى: الحرس الثوري الإسلامي (IRGC)، أرتش (القوات المسلحة التقليدية)، قيادة إنفاذ القانون (LEC)، ويعتمد المرشد الأعلى على كيانين رئيسيين: هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة (AFGS) ومقر خاتم الأنبياء المركزي للقيادة والسيطرة والتنسيق بين الفروع العسكرية الثلاثة. الهيئة العامة للأركان مسؤولة عن التوجيه الاستراتيجي والسياسات العسكرية. أما مقر خاتم الأنبياء المركزي فهو كيان موازٍ مسؤول عن العمليات المشتركة والحرب، حيث يمتد تسلسل القيادة العملياتية هناك من وزير الدفاع إلى القيادات العسكرية مباشرة.

الحرس الثوري الإسلامي (IRGC)

تأسس الحرس بعد الثورة لحماية النظام وتعزيز سيطرة رجال الدين، وأصبح على مدى العقود لاعبًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا رئيسيًا. يشرف الحرس على إنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة ويدير محور المقاومة.

أرتش (القوات المسلحة التقليدية)

يعود تأسيسها إلى ما قبل الثورة، وكانت تعرف سابقًا بالجيش الإمبراطوري، ويشار إليه غالبًا بـ "الجيش الإيراني النظامي". تعتبر الأرتش أقل أيديولوجية من الحرس الثوري، ويتمحور دورها حول الدفاع عن البلاد وحماية وحدتها الإقليمية. وتمتلك الأرتش غالبية الأفراد والمنصات مثل الدبابات، الطائرات المروحية، الطائرات الحربية، السفن، والغواصات.

قيادة إنفاذ القانون (LEC)

الجهاز الأمني والشرطة الداخلية الرئيسي، مسؤول عن حفظ النظام واستقراره، تشمل وحداته حرس الحدود، شرطة الوقاية، العمليات، والوحدات الخاصة لمكافحة الشغب، كما يتدخل في الخارج لدعم أعضاء محور المقاومة.

التصنيفات الأمنية:

القوات البرية:

أصغر وأخف من الأرتش، موزعة على 32 وحدة إقليمية، تعمل بشكل مستقل عند الحاجة، وقادرة على قمع الاحتجاجات الداخلية ومواجهة التهديدات الخارجية. تدير نحو 50 لواءً تشمل عناصر مشاة خفيفة، مدرعة، وآلية، تتركز على الحدود الغربية والشرقية. شاركت في سوريا لدعم نظام بشار الأسد، وشارك أفرادها في قمع الاحتجاجات الداخلية.

القوات البحرية:

قوة غير تقليدية مسؤولة عن الخليج ومضيق هرمز، تستخدم زوارق هجومية سريعة، ألغامًا، صواريخ، وطائرات بدون طيار لعرقلة حركة القوات البحرية الأجنبية. تعمل حول المحيط الهندي وبحر قزوين، وتتقاسم مع الحرس الثوري مسؤولية مضيق هرمز. ركزت مؤخرًا على توسيع نطاق العمليات خارج المياه الإقليمية باستخدام سفن وقواعد متقدمة.

القوة الفضائية والجوية:

تستخدم طائرات غربية معدّلة محليًا في إيران، كما واعتمدت على الطيران الروسي ومؤخرًا الصيني، وهي مشغلة للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وتدعم الدفاع الجوي الإيراني.

الدفاع الجوي:

أحدث فروع الأرتش، تأسست عام 2019، تستخدم منصات دفاع جوي محلية وروسية مثل S-300، كما وتعتمد على بعض المنظومات الدفاعية المعدلة محليًا في إيران من مخلفات الاتحاد السوفياتي.

منظمة الباسيج:

منظمة شبه عسكرية لتجنيد وتأهيل الموالين للنظام، تنتشر في المجتمع الإيراني، وتشارك في القمع الداخلي والدعاية والسيطرة الاجتماعية.

منظمة الاستخبارات:

تأسست بعد احتجاجات 2009، تركز على المراقبة الداخلية ومكافحة التمرد، ولها دور محدود في الخارج.

قوة القدس:

الذراع الخارجية للحرس الثوري، تدعم الجماعات الإيرانية المسلحة في لبنان، فلسطين، اليمن، العراق، سوريا، أفغانستان، باكستان، والبحرين.

الصناعات العسكرية الإيرانية:

منظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية (ساصد)

هي جهة حكومية تأسست عام 1981 تحت إشراف وزارة الدفاع الإيرانية لتصميم وإنتاج المعدات العسكرية للقوات المسلحة. بدأت الصناعات العسكرية الحديثة في إيران عام 1925، وتطورت عبر العقود لتشمل تصنيع الأسلحة الصغيرة والدبابات والطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة والسفن والغواصات. بعد الثورة والحرب مع العراق، تم دمج عدة شركات صناعية تحت المنظمة لضمان استمرار الإنتاج، وارتبطت ببرامج الأبحاث والتطوير لتحقيق الاكتفاء الذاتي للقوات المسلحة. تصدر منتجاتها إلى حلفاء إيران مثل "حماس" و"حزب الله"، ولها مشاريع مشتركة في دول مثل سوريا واليمن وطاجيكستان. وتتمتع المنظمة بهيكل إداري يشمل مجلس إدارة ومنشآت تنفيذية وبحثية، مع مهام تشمل الإنتاج العسكري، البحث العلمي، وتطوير الموارد البشرية.

المنظمة الإيرانية لصناعات الطيران

تأسست المنظمة الإيرانية لصناعات الطيران عام 2004 تحت إشراف وزارة الدفاع والدعم اللوجستي للقوات المسلحة، لتوحيد وإدارة الصناعات الجوية العسكرية في إيران.

الشركات التابعة للمنظمة:

شركة صناعة الطائرات الإيرانية (هسا)

تعد هسا إحدى الشركات الحكومية التابعة للمنظمة، وتقود جهود إيران في تصنيع الطائرات العسكرية والمدنية والطائرات المسيّرة. تأسست عام 1974 في شمال شاهين شهر بمحافظة أصفهان على مساحة 25 هكتارًا، وتضم ورشًا متطورة، حظائر للطائرات، ومطارًا داخليًا للاختبارات.

صممت وطوّرت الشركة طائرات متنوعة، منها إيران-140 المدنية، طائرات الشحن سيمرغ، والمقاتلات المحلية أذرخش، صاعقة، شفق، وقاهر 313-F، إضافة إلى سلسلة هليكوبترات متقدمة وطائرات مسيرة استراتيجية مثل شاهد 129 وكرار وأبابل. تصدر الشركة منتجاتها إلى دول عدة تشمل روسيا، فلسطين، لبنان، سوريا، اليمن، غانا، الصومال، وفنزويلا.

تتمتع هسا ببنية تحتية متقدمة تشمل مركز تصميم الطائرات، أكبر مركز إلكترونيات طيران في الشرق الأوسط، مختبرات بحثية، مرافق اختبار للطائرات والمراوح، وورش صيانة وتجديد متكاملة. كما تدير محطة طاقة غازية بقدرة 87.6 ميغاواطًا لدعم تشغيل المصنع. تواجه هسا حاليًا عقوبات أميركية استهدفت شبكة إنتاج الطائرات المسيرة والمقاتلة، بما في ذلك دعم الحرس الثوري الإيراني. الرئيس الحالي للشركة: مهدی كوكردچیان.

شركة صناعات الطائرات الإيرانية (صها)

تأسست عام 1961 لتقديم صيانة شاملة للطائرات والمقاتلات المدنية والعسكرية، وتوسعت لتصبح مركزًا لتطوير وتصنيع محركات الطائرات وهياكلها، إضافة إلى تطوير المحركات النفاثة والتوربوفان.

من أبرز إنجازاتها محرك التوربوجت "طلوع 4" وإعادة تأهيل محرك 3-TV لطائرة إيران-140. كما قامت ببرامج توطين محركات الطائرات المدنية 80-MD. تصدر منتجاتها إلى روسيا، فلسطين، لبنان، سوريا، اليمن، غانا، الصومال، وفنزويلا، ما يعكس دعمها لقدرات الحلفاء العسكريين لإيران.

الرئيس الحالي للشركة: العميد اسماعيل خواجة فرد.

شركة الدعم وتجديد الطائرات المِرْوحيّة الإيرانية (بنها)

تأسست عام 1976، وهي الذراع الرئيسي لصيانة وتجديد الطائرات العمودية في إيران. بدأت الشركة بصيانة طائرات مثل سيكورسكي CH-53 وSH-3 Sea King، وتوسعت لاحقًا لتصنيع طائرات محلية مثل شباويز طوفان 2 وسورنا وصبا.

ركزت الشركة على تطوير المحركات للطائرات بدون طيار بالتعاون مع شركات محلية، وأصبحت رائدة في هذا المجال، كما تصدر طائرات مسيّرة ومروحية إلى دول تشمل روسيا، فلسطين، لبنان، سوريا، اليمن، وفنزويلا.

الرئيس الحالي للشركة: حمید رضا نوری.

صناعات قدس الجوية

تأسست عام 1985 بهدف تصميم وإنتاج أنواع مختلفة من الطائرات بدون طيار، تشمل المهام الاستطلاعية والمراقبة والهجومية والتدريبية والأهداف الجوية. أول إنتاج لها كان طائرة "تلاش" التي استخدمت خلال حرب إيران والعراق، وأدى تركيب الكاميرا عليها إلى جمع معلومات استخباراتية مهمة.

بعد نجاح "تلاش"، صممت الشركة طائرات أخرى بمهمات متعددة، منها طائرة "مهاجر"، وهي الآن في مرحلة الإنتاج الكمي.

في 25 آب، فرضت وزارة الخارجية الكندية عقوبات على صناعات قدس الجوية وستة أشخاص مرتبطين بها، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان وتسليم الطائرات بدون طيار إلى روسيا لاستخدامها في العدوان العسكري على أوكرانيا.

الرئيس الحالي للشركة: العميد اسماعيل خواجة فرد.

شركة الصناعات البحرية الإيرانية (صدرا)

تختص ببناء السفن، إنشاء وتركيب المنشآت البحرية النفطية والغازية والموانئ والحماية الساحلية.

شركة مجمع بناء السفن والصناعات البحرية الإيرانية (ISOICO): بناء وإصلاح السفن الكبيرة، تشمل سفن الحاويات وناقلات النفط ومنصات النفط والغاز، وتقع في الخليج الفارسي قرب بندر عباس. المنطقة الاقتصادية الخاصة لبناء السفن في الخليج الفارسي (إيزوايكو): تأسست عام 2001 على مساحة 1100 هكتار، توفر أكبر بنية تحتية بحرية في إيران لبناء وإصلاح السفن والمنشآت البحرية.