المصدر: النهار
الكاتب: علي حمادة
الجمعة 23 كانون الثاني 2026 08:44:29
لم يعد السؤال هل تقع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بل متى؟ فالجسر الجوي والبحري العسكري الأميركي الضخم المتجه إلى منطقة الشرق الأوسط والذي يشدد الخناق على إيران لم يتوقف منذ أن ألغى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضربة قبل نحو أسبوع.
وبالتالي فإن التحضيرات العملانية على الأرض تؤشر إلى أن واشنطن في صدد التحضير لهجوم عسكري كبير، أو أقله تشديد الحصار العسكري المشفوع بضغوط اقتصادية وسياسية ونفسية كبيرة على قيادة إيران بما فيها أعلى مراجعها، أي المرشد علي خامنئي الذي يتم التسريب المتعمد أنه يقع في دائرة الاستهداف المباشر. بمعنى آخر أن علي خامنئي قد يقتل في سياق هجوم أميركي.
هذا الضغط النفسي على القيادة الإيرانية لا سابق له منذ أربعة عقود، فالزخم كبير وغير منقطع في لحظة الضعف التاريخية للنظام الذي بدأ كما سبق أن قلنا هنا مسيرة انحدارية نحو الانهيار التام. لقد قلنا قبل أسبوعين أن النظام مات ولو لم يسقط بعد. والمؤشرات كلها تتراكم لكي تعزز هذه التقديرات خصوصاً أن المجزرة الجديدة التي ارتكبت بحق الشعب في النصف الأول من الشهر الحالي ما مرت مرور الكرام، لا بل إنها شكلت افترقاً تاماً مع موجات الاحتجاج السابقة وما كانت تشهده من عنف وقتل على يد النظام.
هذا النظام الذي فقد حيويته السياسية والمعنوية والاجتماعية والدينية، ولم يبق أمامه سوى توسل القتل من أجل إطالة بقائه وإن عاجزاً كما نراه اليوم. فمداه الحيوي الخارجي في الإقليم تقلص إلى حدّ بعيد. وأذرعه الإقليمية في العراق ولبنان في حالة تراجع مستمرة. في العراق خرج الجيش الأميركي من دون أن يخرج من العراق (عدا إقليم كردستان)، فأعاد انتشاره حول العراق الواقع تحت سيطرة الأذرع المرتبطة بايران، فيما تتحضر إسرائيل للمعركة المقبلة بجدية كبيرة على قاعدة أن التغيير في إيران لن يحصل إلا من خلال عملية عسكرية كبيرة تلاقي المد الشعبي الغاضب والثائر، وخصوصاً أن النظام على رغم أنه لا يزال يحتفظ بقاعدة شعبية مؤيدة لأسباب عدة أهمها "المصالح"، قد تصل قاعدته إلى ملايين عدة. لكن عدد سكان إيران يتجاوز الـ90 مليوناً، والنظام، وفق العديد من التقارير المحايدة، وصل إلى نهاية الطريق مع السواد الأعظم من الإيرانيين الذين فقدوا الأمل بإعادة تأهيله أو صلاحه جزئياً. ومن هنا توقعات أن يكون التغيير عميقاً للغاية لجهة أن يخرج المرشد من الصورة من دون أن يخلفه أحد.
مع وصول قوات الحكومة السورية إلى الحدود المشتركة مع العراق، تشعر الفصائل المنضوية في إطار "الحشد الشعبي" بقلق كبير مع تغير السيطرة على الحدود التي كانت حتى الأمس القريب مفتوحة من ضمن ما اصطلح على تسميته "الكوريدور الإيراني". هذه الحدود التي شكلت متنفساً جيوسياسياً لإيران باعتبار أنها كانت حلقة وصل أساسية بين طهران- بغداد وبيروت عبر دمشق. هنا تقطعت أوصال "الكوريدور الإيراني"، ومعها بدأت عملية تفتيت المدى الحيوي الذي أقامته طهران على شكل هلال كان حذّر منه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قبل أكثر من عقدين. ولعل تضافر العوامل السلبية أصابت مواضع القوة الإيرانية من لبنان إلى سوريا فاليمن، ما زاد من هشاشة البناء الجيوسياسي الإيراني في المنطقة الذي وصف بفخر كبير في مرحلة من مراحل الصعود بالإمبراطورية التي حكمت أربع عواصم عربية دفعة واحدة!
واليوم يتداعى البناء الإيراني الخارجي والداخلي على حد سواء، وتظهر تشققات بنيوية تنذر ببدء إقفال هذه الفاصلة التاريخية التي امتدّت حوالى 47 سنة.
والخشية هنا أن تكون النهاية صعبة للغاية ومؤلمة إلى حد بعيد، وأن تكون هذه القفلة دموية داخلياً، و"شمشونية" في الإقليم. لكن ثمة علامات تشير إلى أن الشقوق الداخلية على مستوى الدولة الأمنية العميقة قد تسرع من وتيرة الانهيار، وتختصر مرحلة التقلبات الخطرة التي قد تنعكس سلباً على المحيط.
وهنا لا بد لنا من أن نتوقف عند هذه الخشية لا بل هذا الهلع الذي يتسرب من بعض دول الإقليم، المتوجسة من ضربة عسكرية ضخمة تشطر النظام الإيراني فتودي به. والتوجس مصدره الخوف من مرحلة ما بعد النظام تحت عنوان مصير إيران الموحدة الذي قد يصبح على المحك الوجودي! إلى درجة أن بعض الإقليم يخشى التفتيت الذي تنتج منه حروب أهلية قد تحول هذا البلد إلى بقعة طاردة لكل استقرار في المنطقة. لكن إيران الحالية تحت نظامها القائم هي بحد ذاتها منبع لحالة انعدام الاستقرار السائدة في المنطقة أقله منذ 47 سنة. ومن ينظر إلى شريط أحداث المنطقة الصعبة يكتشف أن النظام في إيران كان أحد روافدها الرئيسية مدى عقود.
خلاصة القول إن احتمال طي صفحة الجمهورية الإسلامية في إيران، إذا حصل، قد يكون أبرز الأحداث التي ستميّز العقد الحالي… وسيأخذ المنطقة إلى ضفة مختلفة تماماً!