إيران تخسر لعبة الوقت

على مدى عقود، أتقنت إيران لعبة الوقت. بنت نفوذها الإقليمي على مبدأ بسيط: رفع مستوى التهديد، ثم التفاوض، ثم إطالة أمد أي اتفاق أو تسوية إلى حين إعادة ترتيب أوراقها والعودة إلى الطاولة من موقع أقوى. لكن هذه المعادلة بدأت تتبدّل جذريًا مع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ثم "حرب الـ 12 يومًا"، وصولًا إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي واستمرار المواجهة حتى اليوم.

فبعدما تراجعت قدرة طهران على استخدام الردع بالشكل الذي عرفناه سابقًا، انتقلت إلى استراتيجية الاستنزاف. راهنت على أن قدرتها على تحمّل الضربات، ورفع كلفة الحرب، وجرّ واشنطن إلى مفاوضات طويلة، ستمنحها في النهاية صفقة تحفظ لها موقعها ونفوذها.

ولوهلة، بدا أن الرهان قد ينجح. ففي محادثات إسلام آباد، استطاعت إيران أن تعود إلى الطاولة وأن تطرح نفسها مجدّدًا لاعبًا لا يمكن تجاوزه. لكن مذكرة التفاهم لم تصمد، وسرعان ما عادت المواجهة إلى نقطة أكثر خطورة. الفارق هذه المرّة أن واشنطن لم تعد تتعامل مع الوقت بالطريقة نفسها.

يقول ترامب اليوم إنه لا يريد صفقة بالشروط التي كانت مطروحة سابقًا. وباتت التحذيرات داخل البيت الأبيض تتحدّث عن مواجهة قد تمتدّ إلى نهاية ولاية ترامب، في حين ربط ترامب نفسه نهاية الحرب بمرحلة ما بعد الانتخابات النصفية التي ستُجرى في تشرين الثاني المقبل.

وهنا تحديدًا تكمن المعضلة الإيرانية. فالتأجيل الذي كان في السابق سلاحًا بيد الجمهورية الإسلامية، يتحوّل اليوم إلى عبء عليها. إيران لا تملك المقوّمات نفسها كالسابق لخوض استنزاف مفتوح: اقتصادها تحت ضغط هائل، وقدراتها العسكرية تُستهلك، فيما تتراجع تدريجيًا قدرتها على تحويل التصعيد الإقليمي إلى مصدر قوّة سياسية.

والأخطر أن الحرب بدأت تضرب أوراق إيران خارج حدودها أيضًا. فالعمليات العسكرية التي تطول دول الخليج أو تهدّد أمنها ومصالحها تدفع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت والبحرين والأردن وغيرها إلى الابتعاد أكثر عن طهران، فيما تتسارع المشاريع الهادفة إلى إيجاد طرق بديلة تقلّص الاعتماد على مضيق هرمز.

وهذا يعني أن ورقة هرمز نفسها، التي شكّلت لعقود أحد أبرز مصادر القوّة الإيرانية، تبدأ بخسارة قيمتها المعنوية والاستراتيجية حتى قبل أن تفقد قيمتها الجغرافية بالكامل. بمعنى آخر، طهران تواجه اليوم استنزافًا متزامنًا عسكريًا واقتصاديًا وإقليميًا. وكلّ يوم إضافي لا يعني بالضرورة أنها تقترب من صفقة أفضل، بل قد يعني أنها تدخل المفاوضات المقبلة بأوراق أقلّ.

المفارقة أن من يستطيع إنقاذ إيران من هذا المسار قد يكون ترامب نفسه. فالنافذة المتاحة أمام طهران تبدو مرتبطة بالانتخابات النصفية الأميركية. إذا استطاعت تقديم صفقة يستطيع ترامب تسويقها في الداخل الأميركي على أنها انتصار، فقد تتمكّن من وقف النزيف والحفاظ على جزء من أوراقها. أما إذا قرّرت مجدّدًا شراء الوقت، فقد تكتشف أن اللعبة انقلبت عليها لأنّ المشكلة هذه المرّة ليست فقط في ما ستتنازل عنه إيران، بل في ما قد يتبقّى لديها لتفاوض عليه لاحقًا.