إيران فقدت "قدراتها الضاربة" ولا تحتمل حربًا جديدة

كشفت مصادر عسكرية أوروبية وأخرى في المعارضة الإيرانية لـ"إرم نيوز"، أن الضغوط العسكرية والاقتصادية المتراكمة على طهران أضعفت قدرتها على خوض مواجهة جديدة واسعة مع الولايات المتحدة، في وقت تتسع فيه التحديات الداخلية وتتعرض شبكات الدعم التي تعتمد عليها إيرانفي المنطقة لضغوط متزايدة.

وقالت المصادر إن تداعيات العقوبات الأميركية والضربات التي تعرضت لها إيران أفقدتها قدراتها الضاربة، كما أنها لم تقتصر على قدراتها العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى قدرتها على توفير الإسناد المالي والعسكري لحلفائها في المنطقة، خصوصًا حزب الله والفصائل العراقية والحوثيين، مع تضييق قنوات التمويل ونقل الأسلحة.

ووفق تقديرات قدمتها المصادر لـ"إرم نيوز"، فقدت إيران خلال الأشهر الستة الماضية حوالي 60% من قدرات مرتبطة بمنصات الإطلاق والدفاعات الجوية ومستودعات الذخيرة والصواريخ، معتبرة أن حجم الخسائر، إلى جانب الأزمة الاقتصادية، يقلص قدرة طهران على تحمل جولة عسكرية واسعة وطويلة.

وتأتي تلك التقديرات في وقت ترفع فيه طهران مستوى استعدادها لاحتمال تجدد الهجمات الأمريكية.

وذكرت "رويترز"، في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أن قادة عسكريين ومسؤولين إيرانيين يراجعون خططًا لرد أوسع وأكثر قوة في حال استئناف الولايات المتحدة عمليات عسكرية واسعة، وأن جماعات حليفة لإيران في لبنان والعراق واليمن تلقت توجيهات بالاستعداد لتقديم الدعم في حال اندلاع مواجهة جديدة.

استعداد لحرب جديدة

بالتوازي، كثفت السلطات الإيرانية حديثها عن خطط الطوارئ والاستعداد لسيناريوهات التصعيد، في محاولة لإظهار قدرتها على امتصاص الضربات ومواصلة تشغيل المرافق الحيوية.

ورفعت منظمة الدفاع المدني الإيرانية مستوى الجاهزية في 46 منشأة، شملت مرافق للطاقة وموانئ وجسورًا ومطارات، تحسبًا لاستهداف البنية التحتية، فيما كانت طهران قد أعلنت في سبتمبر/أيلول وضع برامج للدفاع المدني تتعامل مع ثلاثة سيناريوهات، بينها العودة إلى حرب واسعة النطاق".

وقال مصدر عسكري فرنسي لـ"إرم نيوز"، إن أحد أبرز أوجه الضعف التي تواجه إيران حاليًا يتمثل في تراجع قدرتها على توظيف الجماعات الحليفة لها في المنطقة بالزخم نفسه الذي اعتمدت عليه في مراحل سابقة.

وأضاف أن العقوبات والضغوط على طرق التمويل والإمداد أثرت، وفق تقديره، على قدرة الحرس الثوري على توفير الأموال والأسلحة لتلك الجماعات، التي كانت تمثل أحد أهم عناصر الضغط الإيراني على المصالح الأمريكية وإسرائيل في أي مواجهة إقليمية.

وأوضح المصدر أن الدفاعات الجوية والقوات الجوية الإيرانية تعرضت كذلك لاستنزاف ملموس، إلى جانب تراجع مخزونات من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يجعل أي مواجهة جديدة أكثر كلفة بالنسبة إلى طهران.

 انقسامات داخل منظومة الحكم

ويربط المصدر العسكري الفرنسي بين الضغوط العسكرية وبين التغيرات التي طرأت على بنية القرار في إيران عقب مقتل المرشد السابق علي خامنئي في الضربات الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير/شباط، وتولي نجله مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى في مارس/آذار بدعم من الحرس الثوري.

وبحسب المصدر، ترافقت المرحلة الجديدة مع تزايد نفوذ الحرس الثوري في عملية صنع القرار، في مقابل استمرار التباينات بين التيارات السياسية داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يرى أنه يضيف عامل ضغط آخر عند اتخاذ قرارات تتعلق بحرب واسعة أو تسوية سياسية.

في المقابل، تؤكد القيادة الإيرانية علنًا أنها مستعدة لأي مواجهة جديدة. وقال مسؤولون عسكريون إيرانيون في أواخر سبتمبر/أيلول إن القوات المسلحة رفعت مستوى استعدادها، وإن أي هجوم أمريكي جديد سيقابل برد أشد، بينما تواصل طهران في الوقت نفسه قنوات دبلوماسية غير مباشرة لمحاولة التوصل إلى تسوية.

الاقتصاد تحت ضغط الحرب

بحسب البنك الدولي، انكمش الاقتصاد الإيراني بنحو 2.7% خلال السنة المالية الإيرانية المنتهية في 20 مارس/آذار 2026، نتيجة مزيج من الاضطرابات الداخلية والحرب وتعطل التجارة وأزمات الطاقة والمياه.

وتفاقمت الضغوط مع التراجع الحاد في صادرات النفط، المصدر الرئيس للعملة الأجنبية. وأظهرت بيانات نقلتها «رويترز» أن شحنات الخام الإيرانية هبطت من نحو مليوني برميل يوميًا في مارس/آذار إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يوميًا في أغسطس/آب، بعدما أدت القيود البحرية الأمريكية إلى خنق جزء كبير من حركة الصادرات.

وفي 29 سبتمبر/أيلول، سجل الريال الإيراني مستوى قياسيًا منخفضًا في السوق الحرة، بعدما تجاوز سعر الدولار 2.5 مليون ريال، في مؤشر إضافي على تآكل القوة الشرائية وتصاعد الضغوط التضخمية. "

كما وسعت واشنطن في الأول من أكتوبر/تشرين الأول عقوباتها لتشمل قطاعي السيارات والسكك الحديدية وموردين أجانب، في خطوة قالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها تستهدف تقليص الموارد التي يمكن لطهران استخدامها لتمويل العمليات العسكرية وبرامج الصواريخ والحرس الثوري.

في المقابل، حذر خبراء من أن اتساع العقوبات يفرض كلفة متزايدة أيضًا على السكان والاقتصاد المدني.

 فجوة بين الخطاب والواقع

وفي هذا السياق، قال عضو لجنة الشؤون الخارجية في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية موسى أفشار لـ"إرم نيوز"، إن هناك فجوة كبيرة بين الخطاب الذي تتحدث من خلاله السلطات عن استعدادها لحرب جديدة وبين الواقع الاقتصادي والاجتماعي في الداخل.

واعتبر أفشار أن التهديدات العسكرية الإيرانية تحمل كذلك بعدًا نفسيًا وردعيًا، مشيرًا إلى أن أزمة البلاد لا ترتبط بالعقوبات والحرب فقط، وإنما تمتد إلى اختلالات مزمنة تشمل نقص الكهرباء والمياه والطاقة، وتراجع الاستثمار والقوة الشرائية واتساع رقعة الفقر.

وأضاف أن الأزمة الداخلية لا يمكن قياسها بالأرقام الاقتصادية وحدها، موضحًا أن السلطات تواجه كذلك مستويات مرتفعة من الاحتقان الاجتماعي بعد احتجاجات شهدتها البلاد خلال العام، إلى جانب حملات اعتقال وإجراءات أمنية واسعة.

وقال أفشار إن المعضلة ليست في قدرة إيران على إطلاق صواريخ أو فتح جولة جديدة من المواجهة، لأنها لا تزال تمتلك أدوات عسكرية وقدرة على إلحاق أضرار بمصالح خصومها، وإنما في قدرتها على تحمل حرب طويلة وكلفتها الاقتصادية والاجتماعية.