المصدر: اللواء
الكاتب: العميد الركن نزار عبد القادر
الأربعاء 14 كانون الثاني 2026 07:46:15
في رأينا قطعت المظاهرات وما رافقها من عمليات قمع على يد الحرس الثوري وقوات الباسيج حدود كل الاحتجاجات والمظاهرات السابقة، ولدرجة باتت تطرح تساؤلات حول مدى قدرة السلطات الاسلامية على التماسك في ظل التصاعد المتسارع بقوة منذ انطلاقها في 28 كانون أول الماضي.
يرى عدد من الخبراء في الشؤون الايرانية بأن الحركة الاحتجاجية باتت تمثل من حيث اتساعها وتنامي العنف الذي تشهده اخطر تحدٍّ تواجهه الجمهورية الاسلامية منذ قيامها، وخصوصاً بعدما تعدت شعاراتها المطالب المعيشية واطلاق الحريات الى مطالب جدّية لتغيير النظام، تشارك فيها مختلف الطبقات، وخصوصاً الطبقة الوسطى التي تعاني من التهميش في ظل حكم الملالي وطغيان الحرس الثوري.
وُضعت تقارير إعلامية بأن عدد القتلى بين المتظاهرين في اكثر من خمسين مدينة قد تعدى الف قتيل، بينما ذهبت تقارير بعض الاقنية العربية الى وضعه في حدود ستة آلاف قتيل، مع توقيف عشرات الألوف من المتظاهرين مقابل مقتل مجموعة صغيرة من رجال الامن والباسيج.
من المؤكد بأن خطر تشقق جدران بنية نظام الجمهورية الاسلامية سيدفع الحرس الثوري الى التصدي للمتظاهرين بكل قواه وبأعلى درجات العنف والقمع. وهذا يعني بأن الحزب سيلجأ الى تنفيذ كل الخطط الموضوعة سابقاً ولاحقاً للامساك بالوضع بذراع من حديد، وذلك بهدف منع سقوط أي جزء من النظام، مع محاولات حثيثة لربط ما يحدث داخلياً بمؤامرات خارجية يقودها اعداء ايران وعلى رأسهم الولايات المتحدة واسرائيل.
لا تنطلق عمليات الحرس الثوري في قمع الاحتجاجات من فكر ديني او سياسي ضيّق من اجل الحفاظ على الجمهورية، بل هو ينفذ المهمة والاستراتيجية التي وجد منذ البداية لتنفيذها، والتي تتلخص بحماية النظام الاسلامي من اعدائه الداخليين والخارجيين، وعلى اساس انه القوة الضامنة لاستمرار حكم الجمهورية الاسلامية.
يملك الحرس الثوري وسائل متعددة للعمل في مواجة الاضطرابات ودعم النظام تبدأ من خلال عمليات الحماية لمؤسسات الدولة والمصالح الحيوية، وفي طليعتها المؤسسات الامنية والصناعية والموانىء والمطارات والجمارك وبوابات الخروج والدخول الى ايران.
واما الوظيفة الأمنية بمعناها الواسع فتتركز على حماية ايران من اي عدوان خارجي براً أو بحراً أو جواً.
والحرس الثوري يملك جميع الوسائل والاسلحة اللازمة لمواجهة جميع هذه الاخطار. اما في العمل السياسي فإنه ستركز على تحذير واقناع القطاعات الكبرى بضرورة العمل بجدية لاحتواء اي اعتداء خارجي، مشدداً على الدعوة لدعم النظام والدولة في مواجهتها لمخاطر العدوان الخارجي. وهناك اعتقاد لدى خبراء بالشؤون الايرانية بأن الحرس الثوري يملك خططاً جاهزة للقيام بهذا العمل، لكن يبقى السؤال انه في ظل اشتداد عمليات القمع وارتفاع اعداد القتلى والجرحى والموقوفين هل ستبقى هذه الوسائل كافية لاستيعاب التهديدين الداخلي والخارجي؟ ما زال من المبكّر جداً البحث عن اصابة واضحة عن هذا السؤال؟
سيحرص الحرس الثوري دون شك، لمنع تكرار ما حدث في سوريا (والذي ادى الى سقوط نظام الاسد) وكل المنظومة الايرانية واذرعتها العسكرية الداعمة له، وذلك من خلال تجديد الخطاب السياسي، والتبديل في القيادات واساليب المواجهة على المستويين الأمني والسياسي.
لا بدّ أيضاً من ذكر قدرات الحرس الثوري الاستخبارية والتخريبية وامكانية استعمالها في المواجهات حيث تدعو الحاجة، فالحرس الثوري لديه تجربة طويلة وخبرات هائلة في هذا المجال اكتسبها من خلال سنوات طويلة قضاها في تدريب اذرعة ايران العسكرية العاملة في الدول الاقليمية، وعلى رأسها حزب الله وحماس، بالاضافة الى الخلايا السرية التي يملكها حول العالم. ولا بدّ هنا من الاشارة الى قدراته في شن عمليات تخريبية في الداخل، وإلصاق التهمة بأعداء النظام الداخليِّين والخارجيِّين، وخصوصاً المخابرات الاسرائيلية والمخابرات المركزية الاميركية.
ويمكن للحرس الثوري توسيع عملياته الخريبية وإلصاقها بالقوى المعارضة للنظام من خلال الاستعانة ببعض عملاء من اذرع ايران العسكرية كحزب الله وفصائل الحشد الشعبي العراقي الموالية لايران حزب الله العراقي وعصائب اهل الحق.
من المؤكد بأنه ما زال من المبكر اجراء قراءة موضوعية لمستقبل ايران في ظل الاضطرابات التي تشهدها. لكن ليس هناك من شك بأن ايران قد خرجت اجتماعياً وسياسياً عن الانماط التي اعتادت على التعامل بها في نظام الجمهورية الاسلامية.ايران غداً لن تشبه بأي شكل ما كانت عليه طيلة العقود والسنوات الماضية، فالشعب الايراني سئم من سنوات الظلم المتمادي، ومن الشعارات الفارغة، ومن سياسات الجمهورية الطامحة لفرض نفوذها على دول الاقليم، مقابل مواجهة اثقال العقوبات الاقتصادية والمالية والامنية المفروضة عليها، والتي افقرت البلاد، وعمَّمت حالة الفقر بالرغم من الثروات الكبرى التي تمتلكها ايران من غاز ونفط وكفاءات بشرية.
من المبكر جداً وضع رواية استشرافية لمستقبل الانتفاضة التي تشهدها ايران، وذلك بالرغم من القدرات الامنية الهائلة التي يمتلكها النظام، لان الاخطار المتنامية لا تقتصر فقط على توسّع الحركة الاحتجاجية، فهناك ايضاً مخاطر وتهديدات خارجية، اميركية واسرائيلية، والتي ما زلنا نجهل طبيعتها واهدافها ومدى تأثيرها على مستقبل الحرس الثوري والكيانات الامنية الاخرى.
في النهاية تسير ايران نحو مصير مجهول، مع هذا الاصرار الاميركي على حماية الانتفاضة، وفي وقت يظهر فيه تقاعس حلفاء طهران كروسيا والصين عن القيام بأي دعم لحماية النظام من الانهيار.
ولا بدّ من النظر الى تأثيرات اضعاف النظام الاسلامي او سقوطه على حلفاء ايران وفي طلعتهم حزب الله، والذي بات يواجه مخاطر انقطاع جميع مصادر الدعم المالي والسياسي وبالسلاح، ليبقى وحيداً في مواجهة مصيره.