المصدر: Agencies
الأحد 12 تموز 2026 15:17:05
بدا أن مشهد جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي كشف بوضوح عن التباينات داخل النظام الإيراني، فالهتافات التي طالت وزير الخارجية عباس عراقجي، ووصفته بـ"الخائن" بسبب اتفاق إسلام آباد الذي أوقف الحرب، أوحت بأن التيار المتشدد لم يكن راضياً عن مسار التفاوض.
وما هي إلا ساعات لاحقة حتى تعرضت 3 سفن تجارية لهجمات في مضيق هرمز، في تصعيد عدته الولايات المتحدة محاولة إيرانية لفرض سيطرتها على الممر المائي الاستراتيجي، وردت عليه بضربات استهدفت مواقع إيرانية، ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن دور الانقسامات الداخلية في دفع الأزمة نحو مزيد من التصعيد.
أتى ذلك في الوقت الذي صعد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث لهجته تجاه إيران، مؤكداً أن طهران "اتخذت خياراً خاطئاً، والآن ستدفع الثمن"، وذلك عقب إعلان القيادة المركزية الأميركية انتهاء الجولة الثالثة من الضربات الجوية التي استهدفت مواقع عسكرية إيرانية. وفي المقابل شهدت منطقة الخليج، تصعيداً مضاداً بعدما جددت طهران هجماتها على البحرين وقطر والإمارات والكويت، فيما أعلنت الدول الأربع تفعيل منظوماتها الدفاعية للتعامل مع الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفق تقديرات معهد دراسة الحرب الأميركي، فإن المفاوضين الإيرانيين يسعون إلى الحفاظ على مسار التفاوض مع الولايات المتحدة وتجنب اندلاع مواجهة عسكرية واسعة جديدة، في وقت يُرجح فيه أن كبار قادة الحرس الثوري المقربين من المرشد الأعلى وافقوا على استخدام القوة لترسيخ السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.
هذا ويرجح المعهد أن الخلاف داخل النظام الإيراني لا يدور حول الهدف النهائي، وإنما حول الوسيلة الأنسب لتحقيقه، معتبراًَ أن "جميع الأجنحة، سواء السياسية أو العسكرية، تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أهم أوراق النفوذ الاستراتيجي الإيراني، إلا أن فريقاً يفضل استثمار هذه الورقة عبر التفاوض، بينما يرى الحرس الثوري أن فرض الوقائع الميدانية يمنح طهران موقعاً تفاوضياً أقوى".
ويفسر ذلك، محاولة بعض المسؤولين الإيرانيين تحميل مسؤولية الهجمات البحرية الأخيرة إلى "فصيل مارق"، بما يسمح للنظام بالإبقاء على قنوات التفاوض مفتوحة مع استمرار الحرس الثوري في تعزيز نفوذه داخل المضيق.
تعزز هذه القراءة ما كشفته شبكة "سي بي إس نيوز"، نقلاً عن مسؤولين أميركيين كبار، من أن مسؤولين إيرانيين أبلغوا مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في محادثات خاصة، أن استهداف السفن التجارية كان "خطأ"، وأن منفذي الهجمات يمثلون تياراً متشدداً يسعى إلى تقويض المفاوضات، مع تأكيد رغبة طهران في مواصلة الحوار.
جراء هذا التصعيد، طلب البيت الأبيض من إيران بالإقرار علناً بخطئها، باعتبار أن الهجمات شكلت انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار، كما أوعز ترامب إلى فريقه، الذي يضم نائب الرئيس جي دي فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية ماركو روبيو، إضافة إلى جاريد كوشنر، بمواصلة المسار التفاوضي.
ونقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين إيرانيين رفيعين أن التخلي عن إدارة المضيق يمثل "استسلاماً"، وأن إيران لن تناقش برنامجها النووي قبل اعتراف واشنطن بحقها الكامل في إدارة المضيق، في حين نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين أن أي اتفاق نووي لن يُبرم ما لم تتخل إيران عن مخزونها من المواد النووية المخصبة وتسمح بالعبور الآمن لجميع السفن، وهو شرط لا تبدي طهران استعداداً لقبوله.
من لندن، اعتبر الباحث في الشأن الإيراني وجدان عبد الرحمن، أن الحديث عن خلافات بين الحرس الثوري والحكومة أو الجهاز الدبلوماسي، "رواية لا تبدو دقيقة"، مبيناً أن "هناك اختلافات في وجهات النظر أو في أساليب إدارة بعض الملفات، لكن لا يمكن وصفها بأنها خلافات على مستوى صناعة القرار".
وقد قال عبد الرحمن في حديثه لـ"العربية.نت/الحدث.نت"، إن "المتابع للشأن الإيراني يدرك أن قرارات السلم والحرب، وكذلك قرار الدخول في المفاوضات أو الامتناع عنها، كانت تعود إلى المرشد الأعلى، وذلك بعد إقرارها من المجلس الأعلى للأمن القومي، ثم تُرفع إلى المرشد للمصادقة عليها أو رفضها، وفقًا للصلاحيات الممنوحة له بموجب المادة (110) من الدستور الإيراني".
بيد أنه وبعد مقتل خامنئي، وعدم معرفة مصير مجتبى، "انتقلت هذه الصلاحيات إلى المجلس الأعلى للحرس الثوري الإيراني، أو إلى ما يُعرف بالخماسية القيادية داخل الحرس الثوري، والتي تضم: رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري مجيد خادمي، ورئيس مؤسسة خاتم الأنبياء علي عبد اللهي، ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى جانب قائد الحرس الثوري والرجل النافذ أحمد وحيدي"، وفق تقديرات الباحث المختص في الشأن الإيراني.
أما فيما يتعلق بالحديث عن أن الجهات التي استهدفت السفن التجارية في هرمز باعتبارها "مجموعات منفلتة"، أوضح "عبدالرحمن"، أن "هذا يبقى ضمن الرواية الإيرانية، لكن حتى الآن، لم يصدر إعلان رسمي من إيران يتبنى هذه الرواية أو يؤكدها، كما أن هذا الموضوع لم يُعلن عنه بصورة رسمية".
ومضى قائلًا: "حتى لو افترضنا صحة الرواية، فإن ذلك قد يشير إلى أن إيران كانت تنتظر نتائج المفاوضات في سلطنة عُمان، وبعد أن تبين لها أن النتائج لم تكن مرضية للنظام، بدأ الحرس الثوري الإيراني باللجوء إلى خطوات تصعيدية واستفزازية في المنطقة، بهدف ممارسة المزيد من الضغوط وإرسال رسائل سياسية وأمنية إلى الأطراف المعنية".
على هذا النحو، يرى الباحث المتخصص في الشأن الإيراني جعفر الهاشمي، أنه "لا يوجد شقاق بين الحرس الثوري والجيش الإيراني أو بين مؤسسات الدولة الإيرانية"، معتبراً أن "كثيراً من القراءات الخارجية لا تعكس بدقة طبيعة المشهد الداخلي في إيران".
وأوضح الهاشمي في حديثه لقناة "العربية/الحدث"، أن "ما يقوم به الحرس الثوري في المرحلة الحالية إجراء منضبط"، ويأتي في إطار ما وصفه ب"التذكير الاستراتيجي" للدولة الإيرانية، مشيراً إلى أن "توزيع الأدوار بين مؤسسات النظام يتم بصورة مقصودة وليس نتيجة خلافات داخلية". وأضاف أن أي "تحرك عسكري مباشر، مثل استهداف جندي أميركي أو تنفيذ هجوم واسع ضد إسرائيل، كان من شأنه أن يمنح منفذيه مكانة كبيرة داخل الخطاب الإيراني.. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يقدم الحرس الثوري على مثل هذه الخطوات؟".
لكن الباحث في الشأن الإيراني عارف نصر، يذهب إلى قراءة مغايرة، بأن "متابعة مسار المفاوضات تشير إلى أن إيران تمتلك هيكلاً تفاوضياً واحداً، لكنه يضم عدة أجنحة تتوزع أدوارها بين ممارسة الضغوط الميدانية وإدارة المسار الدبلوماسي"، مضيفاً أن "هذا النهج ينسجم مع ما كان يعبر عنه وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف ب"ثنائية الدبلوماسية والميدان"، حيث يجري اللجوء إلى التحرك الميداني كلما وصلت المفاوضات إلى حالة من الانسداد، بهدف كسر الجمود وتحسين الموقف التفاوضي".
وشدد على أن "إصرار طهران على التصعيد يعود لرغبتها في تحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية، وقد يكون هذا الجمود في المسار الدبلوماسي ما دفع الحرس الثوري إلى التحرك للضغط على الولايات المتحدة والوسطاء، من أجل انتزاع تنازلات خلال المفاوضات"، مبيناً أن "إيران لم تعد تطرح فقط آلية فتح وإغلاق مضيق هرمز، بل تسعى إلى الانتقال نحو إدارة المضيق، لكن هذا الطرح لن يحظى بقبول من أي طرف".