إيران وميليشياتها.. أسمع كلامك أصدّقك أرى أفعالك أستغرب!

منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 بدأت ملامح مشهد إقليمي جديد تتشكّل على أنقاض دولٍ رفعت ميليشيات مسيطرة عليها شعارات كبرى عنوانها «المقاومة» و»الوحدة» و»التحرّر». لم يكن من السهل آنذاك قراءة ما يجري أو استيعاب التحوّلات العميقة التي كانت تُصاغ في كواليس المنطقة. لكن عبارة بسيطة قالها لي شاب فلسطيني بعد أن سألته عن مغزى تهجيره من العراق إلى لبنان في ظل الخطاب الوحدوي هناك اختصرت كل التناقض «أسمع كلامك أصدّقك أرى أفعالك فأستغرب»!
لم تكن هذه العبارة مجرد تعبير شعبي عابر بل تحوّلت مع الوقت إلى مفتاح لفهم السلوك السياسي والإعلامي لإيران وشبكة الميليشيات المرتبطة بها في المنطقة. خطابٌ مفعم بالشعارات الأخلاقية والدينية يقابله واقع ميداني قاتم قائم على منطق النفوذ، تفكيك المجتمعات وإعادة تشكيل هويات التبعيّة بما يتجاوز الدولة الوطنية ودورها الراعي.
يتجلّى هذا التناقض حتى في الفضاءات الرمزية. ففي المدينة المنورة وتحديدًا في مقبرة البقيع حيث يُفترض أن يكون المكان مساحةً للتأمل الروحي تحوّل المشهد إلى ساحة شدّ وجذب بين رؤيتين الأولى محليّة تدافع عن الدين كرسالة جامعة والثانية توظّفه ضمن طقوس وهوية غير مفهومة. وعندما سألت أحد المعمّمين الإيرانيين الذي يدفع باتجاه هذه الطقوس إن كان يعرف مكان قبر السيدة فاطمة الزهراء ولم يكن سؤالي تاريخيًا بقدر ما كان اختبارًا لطبيعة التفكير، فجاءت الإجابة «نعم نعرف» هي إجابة لا تعبّر فقط عن ادعاء معرفة بل عن نزعة لاحتكار الحقيقة وتوظيفها في تناقض مع دلالة دفن الزهراء سرًا وما يحمله ذلك من معانٍ تتجاوز التوظيف السياسي والديني الضيّق كما حصل في مناطق أخرى.

ظهرت هذه الازدواجية في العراق مبكرًا، خطاب يدعو إلى الوحدة الإسلامية وتجاوز الطائفية متزامن مع ممارسات إقصائية على الأرض مزّقت المجتمع وأعادت إنتاجه على أسس الولاء والتبعية. ومع صعود شخصيات تُقدَّم بوصفها معتدلة بدا وكأن هناك توزيع أدوار يسمح بالتموضع في الوسط، بينما الواقع أكثر تعقيدًا حيث تتداخل الأجندات الإقليمية مع الانقسامات الداخلية. ومع صعود تنظيم «داعش» دخل العراق مرحلة أكثر دموية. صحيح أن هذا التنظيم ارتكب فظائع لا يمكن تبريرها لكن لا يمكن تجاهل أن البيئة التي نشأ فيها كانت مشحونة بالانتهاكات الطائفية، الإقصاء السياسي، الإهانات الدينية وممارسات انتقامية ساهمت في تفكيك المجتمع بردات فعل مدمرة. في هذا السياق برزت الميليشيات المدعومة من إيران كقوة أمر واقع كرّست منطق الثأر التاريخي المستمر بأساطيره بدل منطق الدولة ومؤسساتها.
كان العراق بداية المسار لكن الحرب السورية شكّلت ذروته. هناك سقطت كل الأقنعة، ميليشيات متعددة الجنسيات دخلت المعركة تحت شعارات طائفيّة لتشارك في حرب مدمّرة ضد شعبٍ بأكمله. الأخطر لم يكن فقط في حجم الدمار بل في السردية التي رافقته، تصوير كل معارض للنظام على أنه «إرهابي تكفيري» وتحويل ثورة شعبية إلى صراع وجودي ذي طابع مذهبي. وكانت النتيجة كارثية، ملايين الضحايا والمهجّرين ومدن مدمّرة ونسيج اجتماعي ممزّق بشكل غير مسبوق.
تجلّى هذا المشروع في لبنان بشكل مختلف لكنه لا يقل خطورة. فـحزب الله الذي اكتسب شرعيته من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي تحوّل تدريجيًا إلى قوة مهيمنة على مفاصل الدولة. ومع تحالفه مع التيار الوطني الحر نشأ توازن نفوذ قائم على تقاسم الدولة بدل بنائها. لم يؤدِ هذا التحالف إلى استقرار بل إلى تكريس دولة عميقة تتحكّم بالمؤسسات وتًفرّغها من مضمونها حتى بات من الصعب التمييز بين الدولة والميليشيا وبين القرار الوطني والقرار المرتبط بمحاور خارجية.
جاءت أحداث «طوفان الأقصى» وما تلاها لتكشف هشاشة هذا النموذج مجددًا. فدخول حزب الله في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل تحت عنوان «المساندة» وضع لبنان في دائرة خطر لم يكن اللبنانيون مستعدين له. وفي المقابل لم تتضح معالم «النصر» الموعود بل برزت خسائر بشرية ومادية كبيرة وتدمير واسع، اختراقات وغموض يحيط باتفاقات وقف إطلاق النار وسط استمرار الاعتداءات وتآكل السيادة اللبنانية.

تكمن مشكلة التعاطي مع إيران ليس في سياساتها فقط بل في صعوبة فهم منطقها. فهي تعمل ضمن منظومة تمزج الدين بالسياسة والأمن وتستخدم أدوات غير تقليدية أبرزها الميليشيات العابرة للحدود. نموذجٌ يقوم على ازدواجية «دولة تُفرَّغ من مضمونها وميليشيا تتحوّل الدولة إلى أداة خدمتها!» قد يحقق هذا النموذج مكاسب مرحلية لكنه يحمل في داخله عوامل تفككه وانتحاره إذ إن التعبئة القائمة على العصبية المذهبية لا يمكن أن تؤسس لحياة ولاستقرار طويل الأمد. يتكرر المشهد ذاته بين العراق وسوريا واليمن ولبنان، خطاب مثالي وممارسات تناقضه تمامًا. وهذا التناقض هو ما يفقد الشعوب الثقة بالشعارات البراقة.
تقف إيران اليوم أمام اختبار تاريخي، إما مراجعة مشروعها والانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة أو الاستمرار في مسار يقود إلى مزيد من الانقسام والانهيار. ومع التحولات الدولية وصعود الصين كقوة عالمية قد تجد إيران نفسها أمام خيارين، إما الانخراط في نظام إقليمي مستقل قائم على التعاون أو الانزلاق نحو نموذج شبيه بـكوريا الشمالية يقوم على الانغلاق. غير أن الاستمرار في سياسة التوسّع عبر الميليشيات سيجعلها أداة في صراعات أكبر منها بدل أن تكون لاعبًا مستقلًا يخدم مصالح شعبه.

يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق خطير، فالمواطن اللبناني الذي أنهكته الأزمات بات يدرك أكثر من أي وقت مضى خطورة الانجرار إلى صراعات المحاور. يرى التناقض بين الخطاب والممارسة ويستعيد من خلال ما يسمعه من اقتراب تحقيق النصر الحاسم وحقيقة ما يشاهده من تحقيق حلم اسرائيل بتمزيق مجتمعاتنا ودولنا وفرزها بما يتناسب ومنطقيّة عنصريتها البغيضة بيد «هؤلاء» تلك العبارة البسيطة «أسمع كلامكم أصدّقكم أرى أفعالكم فأستغرب!» 

الحل لا يكمن في الانحياز لهذا المحور أو ذاك بل في إعادة بناء الدولة على أسس دستورية مؤسساتيّة ديمقراطية قادرة على حماية جميع مكوّناتها بعيدًا عن منطق الغلبة وهيمنة قوى الأمر الواقع. لبنان بحاجة إلى تبنّي خيار «الحياد الإيجابي» الذي لا يعني الانعزال بل الانفتاح المتوازن على العالم العربي والمجتمع الدولي مع الحفاظ على السيادة الوطنية. كما أن العلاقة مع سوريا في ظل التحولات القادمة يجب أن تنطلق من الدستور واتفاق الطائف وأن تُبنى على أسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والإعتذار العلني عن جرائم المرحلة السابقة.

لقد تعلّم اللبنانيون الدرس وهم يدركون أن مستقبلهم لا يُبنى بالشعارات ولا بمحاور خارجية بل بدولة حقيقية… دولةٍ لا تقول شيئًا وتفعل عكسه بل تكون أفعالها ترجمة صادقة لأقوالها، ويشارك شعبها في توجيه مؤسساتها نحو مستقبلٍ أكثر استقرارًا وعدالة وواقعية.