اتصالات إسرائيلية بصحافيي جنوب لبنان: "انتبهوا على حالكم"!

لم تكن الصحافية زينب فرج تتوقع أن يتحول يوم عمل اعتيادي على الشريط الحدودي إلى تهديد يلاحقها خارج الميدان. كانت توثّق بكاميرتها تحليق طائرة مسيّرة إسرائيلية فوق بلدة كفركلا قبل أشهر، حين بدأت المسيّرة تقترب منها ومن المصوّر أحمد الحريري، الذي استشهد لاحقاً في استهداف إسرائيلي في بلدة دير قانون النهر. 

دارت الطائرة فوقهما مراراً وصوّرتهما عن قرب إلى جانب السيارة التي يستقلانها، قبل أن تغادر المكان. بعد ساعات فقط، وصلت إلى فرج رسالة عبر تطبيق "ماسنجر" تحمل تهديداً صريحاً بقتلها وقتل زميلها إذا عادا إلى البلدة، مرفقة بمعلومات دقيقة عن مكان إقامتها وتحركاتها. يومها أدركت أن ما جرى لم يكن مجرد مراقبة ميدانية، بل عملية رصد تتجاوز حدود التغطية الصحافية إلى التهديد المباشر.

سياسة ترهيب

تجربة فرج ليست حالة معزولة. فمع تصاعد الحرب في جنوب لبنان، تتزايد المخاوف على سلامة الصحافيين والعاملين في القطاع الإعلامي في ظل الاتصالات والرسائل التي يتلقونها من جهات إسرائيلية، وسط استمرار الاستهدافات التي طالت إعلاميين ومؤسسات إعلامية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. وبينما يرى بعض الصحافيين أن هذه الاتصالات تأتي في إطار أوامر الإخلاء العامة التي يتلقاها سكان المناطق المستهدفة، يعتبرها آخرون جزءاً من سياسة ترهيب تهدف إلى الحد من التغطية الإعلامية في المناطق الحدودية، في ظل سجل طويل من الانتهاكات الإسرائيلية بحق العاملين في وسائل الإعلام.

محلّقة فوق رأس فرج

توضح فرج لـ"المدن" أنها كانت توثّق عبر فيديو تحليق المسيّرة الإسرائيلية أثناء إعداد تقارير ميدانية في كفركلا قبل أشهر، عندما اقتربت الطائرة منها ومن الحريري أكثر من مرة وصوّرتهما عن قرب. وتعتبر أن ما حدث لم يكن مراقبة عابرة، بل عملية رصد مباشرة لهويتهما وتحركاتهما.

وتقول إنها تلقت بعد ساعات رسالة تهديد عبر "ماسنجر" تضمنت وعيداً بقتلها وقتل الحريري إذا عادا إلى البلدة، فيما أظهر مرسل الرسالة معرفة دقيقة بمكان إقامتها وتحركاتها. ولم تتوقف الحادثة عند هذا الحد، إذ رُصدت طائرات مسيّرة إسرائيلية أكثر من مرة فوق منزلها، مما عزز شعورها بأنها تحت المراقبة المستمرة.

استشهاد زميلها المهدد 

وتربط فرج بين التهديد الذي تلقته واستشهاد الحريري قبل نحو أسبوع، معتبرة أن استهداف الإعلاميين في الجنوب لا يمكن النظر إليه كحوادث منفصلة، بل كجزء من سياسة ممنهجة تستهدف العاملين في وسائل الإعلام. وتقول إن التجربة دفعتها إلى الحد من وجودها في بعض المناطق الحدودية، ليس خوفاً على نفسها فقط، بل أيضاً على أفراد عائلتها والمقربين منها. وتضيف: "أحمد في ذلك الوقت كان يعمل مصوراً في قطر، ولم يثر الموضوع إعلامياً خوفاً من أن يخسر عمله، لكنه خسر حياته".

اتصالات مباشرة بالصحافيين في صور

في مدينة صور، اتخذت الاتصالات الإسرائيلية شكلاً مختلفاً. تشير مراسلة "التلفزيون العربي" جويس الحاج إلى أن الصحافيين المقيمين في إحدى الاستراحات بالمدينة تلقوا اتصالات مرتبطة بأوامر الإخلاء الإسرائيلية التي استهدفت صور على مرحلتين.

وتوضح أن المرحلة الأولى شهدت وصول رسائل آلية مسجّلة إلى السكان والصحافيين الموجودين في المدينة، قبل أن تتكرر أوامر الإخلاء بعد يومين، حيث تلقت مع المصور المرافق لها اتصالاً مباشراً من شخص قدّم نفسه على أنه يتحدث باسم الجيش الإسرائيلي.

وحسب الحاج، أبلغهما المتصل أنهما موجودان في منطقة تضم عناصر من "حزب الله"، وأن الجيش الإسرائيلي يعتزم تنفيذ عمليات عسكرية فيها، مطالباً إياهما بالمغادرة حفاظاً على سلامتهما. إلا أنها أكدت له أن وجودهما يقتصر على تجمع للصحافيين والإعلاميين المكلفين تغطية التطورات الميدانية.

انتبهوا على حالكم!

وتروي أن المتصل كرر سؤاله عن الموقع الدقيق للصحافيين الموجودين في المكان، إلا أن الفريق رفض إعطاء أي تفاصيل تتعلق بموقعه، مكتفياً بالقول إنه موجود في مدينة صور.

وتضيف أن الاتصال انتهى بعبارة: "انتبهوا على حالكم"، من دون أن يتضمن تهديداً مباشراً أو تسمية أي صحافي بالاسم أو تحديد مؤسسة إعلامية بعينها. وبعد الحادثة، تواصل الصحافيون مع الجهات الأمنية اللبنانية التي أوضحت لهم أن التهديدات المباشرة عادة ما تتضمن تحديداً واضحاً للشخص أو الهدف المستهدف.

ورغم ذلك، تعتبر الحاج أن الاتصال حمل طابعاً ترهيبياً غير مباشر، خصوصاً أن المتصل حاول مراراً معرفة مكان وجودهم بدقة. وتشير إلى أن الصحافيين التزموا البقاء داخل مكان إقامتهم خلال اليومين الأخيرين من التصعيد بسبب كثافة الغارات الإسرائيلية في محيط المدينة.

"اتصال وصل للجميع"

مراسل قناة NBN حسن فقيه، يرى أن الاتصال الذي وصله خلال أوامر الإخلاء الإسرائيلية لم يكن موجهاً إليه بصفته صحافياً، بل كان جزءاً من اتصالات آلية وصلت إلى جميع الموجودين ضمن شبكة الاتصالات في المنطقة.

ويشرح أن هاتفه رنّ ليتبيّن لاحقاً أن المتصل رسالة مسجّلة تدعو الموجودين في صور إلى مغادرة المدينة بسبب عمليات عسكرية محتملة. ويضيف: "لم أتحدث مع أحد، استمعت إلى الرسالة فقط وأقفلت الخط. بعض الزملاء حصل معهم تبادل كلام، لكن بالنسبة إليّ كان اتصالاً عاماً وصل إلى الجميع".

ويؤكد فقيه أنه لم يعتبر الأمر تهديداً شخصياً، بل إجراءً مشابهاً للرسائل التي تُرسل عادة خلال أوامر الإخلاء الإسرائيلية، مشيراً إلى أنه استمر في عمله الصحافي ولم يغادر موقعه بسبب الاتصال. ويقول: "أنا موجود لأداء عملي الصحافي، ولم أسمح لهذا الأمر أن يؤثر على عملي أو يشوش عليه".

الاتحاد: إسرائيل لا تُعفى من المسؤولية

في هذا السياق، حذّر اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان من الاتصالات المباشرة والمسجّلة التي تلقّاها عدد من الصحافيين والصحافيات المقيمين والعاملين في مدينة صور خلال الأسبوع الماضي، والتي تضمّنت تحذيرات ومطالبات بالإخلاء.

ورأى الاتحاد أن هذه الاتصالات تكتسب خطورة خاصة في ضوء الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة ضد الإعلاميين، ولا سيما بعد الاستهداف الذي طال محيط وجود طواقم إعلامية في مدينة النبطية، معتبراً أن ما يجري يشكّل تهديداً لحرية العمل الصحافي وللحماية التي يكفلها القانون الدولي للصحافيين باعتبارهم مدنيين.

وترى رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، إلسي مفرّج، أن الرسائل والاتصالات التي تلقاها الصحافيون في صور تندرج ضمن محاولات الترهيب والضغط النفسي التي قد تدفع بعض الإعلاميين إلى مغادرة مواقع التغطية.

وتوضح لـ"المدن" أن الاتصالات بدأت برسائل مسجّلة وصلت إلى عدد كبير من الصحافيين الموجودين في المدينة، قبل أن تتحول في اليوم التالي إلى اتصالات مباشرة حاول خلالها المتصلون معرفة أماكن وجود الإعلاميين وما إذا كانوا بالقرب من منشآت أو أهداف محتملة.

وتشدد مفرّج على أن أي تحذير أو إنذار لا يعفي إسرائيل من مسؤوليتها القانونية في حال تعرّض الصحافيون للاستهداف، مؤكدة أن القانون الدولي يفرض حماية الإعلاميين باعتبارهم مدنيين يؤدون عملهم في مناطق النزاع.

وتدعو الدولة اللبنانية إلى توثيق جميع الجرائم والانتهاكات والتهديدات التي يتعرض لها الصحافيون، وفتح محاضر قضائية جدية تمهيداً لبناء ملفات قانونية يمكن الاستناد إليها أمام الهيئات الدولية. كما تطالب بتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية ومنح المحكمة الجنائية الدولية صلاحيات أوسع لملاحقة الانتهاكات المرتكبة بحق الإعلاميين.

وترى أن الإفلات من العقاب شجع على استمرار الاعتداءات، مشيرة إلى أن مسار عدم المحاسبة بدأ منذ استهداف الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، واستمر مع عشرات الصحافيين الذين قُتلوا أو استُهدفوا خلال الحرب الحالية.

ضغوط الحرب ومخاطر المهنة

ولا تقتصر المخاطر التي يواجهها الصحافيون في الجنوب على التهديدات الأمنية المباشرة، وفق مفرّج، بل تمتد إلى الضغوط النفسية والمهنية المتراكمة منذ سنوات. وتلفت إلى أن بعض المؤسسات الإعلامية طلبت من مراسليها مغادرة مناطق معينة بعدما ارتفع مستوى الخطر، فيما اضطر آخرون إلى الحد من تحركاتهم الميدانية.

وتنتقد رئيسة الاتحاد ضعف التغطية التأمينية والحماية المهنية التي يحصل عليها الصحافيون العاملون في مناطق النزاع، سواء على مستوى تأمين الحرب أو التأمين الصحي أو بدلات المخاطر وساعات العمل الإضافية، مؤكدة أن استمرار الحرب يفاقم الأعباء النفسية والمهنية على العاملين في القطاع الإعلامي.