المصدر: المدن

The official website of the Kataeb Party leader
الجمعة 13 آذار 2026 11:51:01
يستورد لبنان أكثر من 80 في المئة من حاجاته السلعية من الخارج. ويأتي حوالى نصف الكميات (48.6 في المئة) الواردة إليه، عبر ثلاثة ممرّات بحرية، وهي: البحر الأبيض المتوسط ومضيق هرمز وباب المندب. وفي ظل الحرب الإقليمية نتيجة الهجوم الأميركي-الإسرائيلي المشترك على إيران والرد الإيراني على إسرائيل، وسلسلة الاعتداءات التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي، مخلِّفةً تداعيات أمنية واقتصادية أدت إلى تعطل الملاحة في مضيق هرمز، صار الحديث عن استدامة توريد السلع أمرًا حيويًا بالنسبة إلى البلدان المرتبطة بهذه الممرّات، ومنها لبنان.
يحصل لبنان على السلع من دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية عبر البحر الأبيض المتوسط، ويحصل عبر مضيق هرمز على السلع الواردة من دول مجلس التعاون الخليجي، وتأتيه عبر باب المندب السلع الواردة من الصين والهند ودول أخرى. ولهذا كله تأثيرات شتّى، يتعلق أولها بارتفاع تكاليف الشحن والرسوم الإضافية التي تفرضها شركات الشحن البحري، ما يعني ارتفاعًا في الأسعار سيشمل السلع كلها، وهذا يفاقم أزمة تضخّم الأسعار التي يعاني بسببها لبنان منذ انفجار الأزمة المالية في نهاية عام 2019. وينسحب هذا أيضًا على السلع الواردة من مضيق هرمز، ومن ثم، ربما يشمل في مرحلة لاحقة تلك التي ترد عبر باب المندب.
في صباح يوم السبت الواقع فيه 28 شباط/فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل هجومًا عسكريًا مشتركًا واسع النطاق على إيران، التي ردّت على إسرائيل، وأطلقت سلسلة من الاعتداءات على دول مجلس التعاون الخليجي، مستخدمةً صواريخ وطائرات مسيَّرة استهدفت مواقع ومنشآت عسكرية ومدنية واقتصادية، ما أدّى إلى تصاعد كبير في التوتّر الإقليمي، وأحدث صدمة للاقتصاد العالمي، وشكّل تهديدًا مباشرًا لسلاسل التوريد.
في اليوم الأول من الحرب، تأثرت سلاسل التوريد حيث نقلت وكالات الأنباء العالمية عن مسؤول في البعثة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي (أسبيدس) أن السفن تلقّت من الحرس الثوري الإيراني رسائل عبر موجات اللاسلكي، مفادها أنه "لا يُسمح لأي سفينة بالمرور عبر مضيق هرمز". وبحسب بيان صادر عن الحرس الثوري الإيراني بثّته وسائل إعلام رسمية، فإن مضيق هرمز سيكون تحت سيطرة إيران في زمن الحرب، وأنه سيجري استهداف أي سفينة أميركية أو أوروبية تحاول عبوره. وبالتالي، فقد استهدفت قوات الحرس الثوري حتى يوم 6 آذار/مارس الحالي، أكثر من 12 ناقلة نفط (بينها ناقلة النفط "سكالايت" (Skylight) في 1 آذار/مارس شمال ولاية خصب في عُمان، وناقلة النفط "أم كيه دي فيوم" (MKD Vyom) التي استُهدفت بزورق مسيَّر، وناقلة النفط "ستينا إمبريتيف" (Stena Imperative) التي كانت ترفع العلم الأميركي، التي استُهدفت بصاروخين في أثناء رسوها في ميناء في البحرين...). كما جرى في 4 آذار/مارس استهداف سفينة الحاويات "سافين بريستيج" (Safeen Prestige) قبالة سواحل عُمان.
علاوة على ذلك، عمدت كبريات شركات الشحن البحري (Maersk, MSC, CMA CGM)، منذ إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، إلى تعليق إبحارها عبر المضيق اعتبارًا من 1 آذار/مارس 2026، وحوّلت مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح، لتجنّب منطقة العمليات الحربية. وبحسب مقالة تحليلية نُشرت في صحيفة وول ستريت جورنال في4 آذار/مارس، ضمن تغطيتها تداعيات إغلاق مضيق هرمز، وبالاستناد إلى المتابعة الآنية للسفن (AIS Data)، والمستمدّة من منصّات رائدة في مراقبة الملاحة، مثل Lloyd’s List Intelligence، وMarineTraffic، فإن حركة السفن في المضيق انخفضت بنسبة 80 في المئة، بمعدل وسطي من 138 سفينة يوميًا إلى 28 سفينة يوميًا.
وبالتوازي، أدّت هذه التطورات إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن البحري، ربطًا بارتفاع تكلفة التأمين بشكل أساسي. وبحسب وول ستريت جورنال أيضًا، ارتفعت تكلفة شحن الحاوية بين 150 و200 في المئة منذ مطلع آذار/مارس الجاري، وارتفع سعر شحن الحاوية النمطية، البالغ قياسها 40 قدمًا، من آسيا إلى أوروبا إلى أكثر من 7000 دولار بعد أن كان معدله الوسطي 2500 دولار. وارتفعت أقساط التأمين ضدّ مخاطر الحرب (علاوة مخاطر الحرب) إلى 2 في المئة من قيمة السفينة، بعدما كانت 0.7 في المئة قبل 28 شباط /فبراير. وارتفعت تكلفة الوقود ومدة نقله، بسبب المسافة الطويلة التي بدأت السفن تعبرها عبر رأس الرجاء الصالح بدلًا من مضيق هرمز؛ إذ صار الوقت المتوقع لوصول السفينة أطول بما يراوح بين 10 أيام و14 يومًا، ما يؤدي إلى استهلاك مزيد من الوقود بتكلفة تقدّر بنحو مليونَي دولار إضافي لكل رحلة ذهابًا وإيابًا.
وقد فرضت شركة Maersk للشحن البحري رسوم طوارئ (اضطراب تشغيلي) تُراوح بين 400 دولار و1000 لكل حاوية، لتغطية النفقات اللوجستية المفاجئة.
وبحلول نهاية يوم الاثنين 9 آذار/مارس، بدأت أسعار النفط الخام تتجاوز مستوى 119 دولارًا للبرميل الواحد، قبل أن تنخفض لحوالى 90 دولارًا للبرميل أي بزيادة تصل إلى 30 في المئة، مقارنةً بما كان عليه قبل بداية الحرب. كما بدأت السفن تتكدّس بالقرب من مضيق هرمز، حيث انخفض عدد السفن التي تبحر يوميًّا عبر المضيق إلى 3 فقط مقارنة بأكثر من 90 يوميًّا قبل الحرب، وفقًا للبيانات الصادرة عن S&P Global.
يجري حاليًا التركيز على أسواق النفط والتداعيات التي تُطاولها تداعيات الحرب، وتخلّف أثرًا كبيرًا في الأسعار حول العالم، خصوصًا إذا تصاعدت بصورة أعلى من المستويات التي بلغتها حتى الآن؛ فقد أشارت صحيفة فايننشيال تايمز إلى أن منتجي النفط في الخليج يسابقون الزمن لاستئناف صادراتهم قبل أن تمتلئ مرافق تخزين النفط؛ فقد اضطر العراق، على سبيل المثال، إلى خفض الإنتاج بعدما قرّر إغلاق ثلاثة من أكبر حقوله النفطية. ونقلت الصحيفة نفسها عن كبار المتداولين أن حجم الخسائر في الإنتاج العراقي سيبلغ مليونَي برميل يوميًا في حال استمرّت الأزمة. ونقلت أيضًا عن وزير الطاقة القطري سعد الكعبي، أن إغلاق الإنتاج في دول الخليج خلال أسابيع قد يدفع أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل الواحد.
بالنسبة إلى لبنان، لا ينحصر الأمر في مخاطر الحصول على المشتقات النفطية، بل يتعلق باستيراد أكثر من 80 في المئة من الحاجات الاستهلاكية المحلية، بما فيها النفط والمواد الغذائية والأساسية. ووفقًا لمعطيات رسمية، فإن لبنان استورد في عام 2025 نحو 15.9 مليون طن من مختلف السلع، بقيمة إجمالية تبلغ 21 مليار دولار. وتتضمن هذه الكميات المشتقات النفطية والقمح والمنتوجات الغذائية الطازجة والمعلَّبة والمواد الأولية للصناعة المحلية.
يأتي قسم من السلع التي يستوردها لبنان عبر الشحن البحري - ممرّ مضيق هرمز، ويأتي قسم آخر عبر باب المندب، إضافة إلى قسم يأتي مباشرة إلى ميناء بيروت أو ميناء طرابلس، الواقعين على البحر المتوسط، من دول حوض هذا البحر، خصوصًا من أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية، علاوة على الممرّ البريّ عبر سورية والممرات الجوية المختلفة، حيث تأتي عبر هذه الممرات البحرية الثلاثة 48.6 في المئة من الكميات، وتشكّل قيمتها 65 في المئة من مجمل قيمة ما يستورده لبنان.
مسار الخليج العربي عبر مضيق هرمز
تمر التجارة بين لبنان ودول الخليج العربي عبر مسار بحري يبدأ من موانئ الخليج العربي، ويعبر مضيق هرمز إلى خليج عُمان، ثم إلى بحر العرب، وصولًا إلى البحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس، ثم نحو البحر المتوسط، وصولًا إلى الموانئ اللبنانية. ويشمل هذا المسار تجارة لبنان مع دول مجلس التعاون الخليجي، مثل السعودية والإمارات والكويت وقطر وعُمان والبحرين.
في عام 2025، بلغت كمية صادرات هذه الدول إلى لبنان 1.6 مليون طن، بقيمة إجمالية بلغت 2.9 مليار دولار. ومن أهم صادرات هذه الدول إلى لبنان المعادن الثمينة التي بلغ حجمها 27 طنًا، وقيمتها 1.5 مليار دولار. لكن الأهمية الاستثنائية المتعلقة بمخاطر وقف هذا المعبر المائي، هي تلك التي يمكن ربطها بالسلع الأساسية والغذائية والمشتقات النفطية. ففي العام الماضي، صدّرت دول الخليج إلى لبنان 1.2 مليون طن من المنتوجات المعدنية (وقود معدني، زيوت معدنية ومنتوجات تقطيرها، خامات معادن...) بقيمة إجمالية بلغت 621 مليون دولار. وصدّرت أيضًا7953 طنًا من المنتوجات الزراعية، و52 ألف طن من منتوجات الصناعات الغذائية.
مسار شرق آسيا عبر مضيق باب المندب
تمر التجارة بين لبنان وعدد من الاقتصادات الآسيوية، أبرزها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وماليزيا، عبر مسار بحري يبدأ من موانئ شرق آسيا في الصين والهند وإندونيسيا ودول جنوب شرق آسيا، ويتجه عبر المحيط الهندي نحو خليج عدن، ثم يعبر مضيق باب المندب إلى البحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس، وصولًا إلى البحر المتوسط، ثم لبنان.
استورد لبنان من هذه الدول 960 ألف طن، بقيمة 3.88 مليار دولار، وقد تصدّرت الصين هذه القائمة، بصادرات بلغت 360 ألف طن، بقيمة إجمالية 2.4 مليار دولار، ثم الهند بصادرات بلغت 127 ألف طن من السلع، بقيمة 396 مليون دولار، وإندونيسيا التي صدّرت أيضًا 105 آلاف طن، بقيمة 156 مليون دولار. وأبرز السلع المصدرة من هذه الدول إلى لبنان، هي المعادن ومصنوعاتها، مثل الحديد والنحاس والنيكل والألمنيوم والرصاص والقصدير، وغيرها، إضافة إلى المنتوجات الكيمياوية، مثل الأدوية والأسمدة والمعادن والآلات والأجهزة الكهربائية، ومعدات النقل والملابس والمواد النسيجية والزيوت العطرية ومستحضرات التجميل، ومواد أخرى تلزم للصناعات المحلية.
المسار المتوسطي مع أوروبا والولايات المتحدة
تمر التجارة بين لبنان وأوروبا والولايات المتحدة عبر مسار بحري أقصر يبدأ من موانئ البحر المتوسط الأوروبية، مثل إيطاليا واليونان وفرنسا وإسبانيا وتركيا، ويتّجه مباشرة عبر البحر المتوسط إلى الموانئ اللبنانية. أما التجارة مع الولايات المتحدة، فتمرّ عادة عبر المحيط الأطلسي، وصولًا إلى الموانئ الأوروبية على البحر الأبيض المتوسط، أو مباشرة إلى شرق المتوسط.
إن الواردات السلعية من هذه الدول هي الأكبر لجهة القيمة والحجم؛ إذ صدّرت دول الاتحاد الأوروبي إلى لبنان4.5 ملايين طن، بقيمة 6.1 مليارات دولار، وصدّرت الولايات المتحدة إلى لبنان 237 ألف طن، بقيمة 800 مليون دولار، أي ما مجموعه 4.73 ملايين طن، بقيمة 6.9 مليارات دولار. وتشكّل المنتوجات المعدنية، ولا سيما المشتقات النفطية منها، عصب هذه الواردات، بحجم بلغ 3.34 ملايين طن، وبقيمة 2.37 مليار دولار، وكلها تأتي من دول الاتحاد الأوروبي. أما معدات النقل، التي تأتي في المرتبة في هذا المجال، فإن قيمتها الإجمالية تبلغ 684 مليون دولار، منها234 مليون دولار من الولايات المتحدة (السيارات المستعملة بشكل أساسي).
وفقًا لهذه الأرقام والمعطيات، فإن مجموع ما يأتي عبر هذه الممرات الثلاثة يتوزّع على النحو الآتي: 10 في المئة من مجمل كميات السلع التي يستوردها لبنان، أو 13.9 في المئة من حيث القيمة، تأتي عبر مضيق هرمز، و8.8 في المئة من الكميات، أو 18.4 في المئة من القيمة تأتي عبر باب المندب، و28.3 في المئة، أو 28.9 في المئة من القيمةـ تأتي من أوروبا مباشرة، و1.49 في المئة، أو ما يوازي 3.8 في المئة من القيمة تأتي من الولايات المتحدة الأميركية.
أهمية هذا العرض، ومدى حيوية السلع التي تأتي من هذه الدول
تضخّم الأسعار:
من الواضح أن لهذا الوضع تداعياته، حيث ستسجل أسعار السلع التي يستوردها لبنان ارتفاعات، بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والرسوم الأخرى الإضافية التي بدأت تفرضها شركات الشحن البحري والشركات الأخرى العاملة في هذا المجال. ووفق دراسة نشرها صندوق النقد الدولي، فإن تضاعف تكاليف الشحن يؤدّي إلى زيادة في تضخّم الأسعار بمعدل 0.7 في المئة عالميًا. وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي، فإن كل زيادة بنسبة 10 في المئة تؤدي إلى ارتفاع في أسعار السلع المستوردة بنسبة 0.2 في المئة في مجموعة الدول العشرين.
وتشير دراسات أخرى أيضًا إلى أن أثر ارتفاع تكاليف الشحن البحري في نقل المواد الخام والحبوب، بالغ جدًا، ربطًا بأن حصّة تكاليف الشحن والتأمين فيها تُراوح بين 10.9 في المئة و24.1 في المئة، خلافًا لما يتعلق بالسلع ذات الحجم الصغير والقيم المرتفعة، مثل الإلكترونيات التي تمثّل تكلفة الشحن فيها نحو 5.1 في المئة من قيمتها، ما يجعلها أقل تأثّرًا بتقلبات أسعار النقل والشحن.
إن مثل هذه الرسوم الإضافية ستفاقم التضخّم في لبنان الذي بلغ معدّله في عام 2025 نحو 14.8 في المئة. وفي السنوات التي سبقت، كان المعدل أكثر، ربطًا بالانهيار المالي الذي انفجر في نهاية عام 2019. ففي عام 2024، بلغ معدل التضخّم السنوي 45.24 في المئة، ووصل في عام 2023 إلى 221.3 في المئة، وفي عام 2022 إلى171.2 في المئة، وفي عام 2021 إلى 154.8 في المئة، وفي عام 2020 إلى 84.4 في المئة، ما يعني أن أي ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين سينعكس على مجموعة واسعة من السلع التي يستوردها لبنان ويعتمد عليها بشكل أساسي لتغطية حاجات الاستهلاك المحلي. كما أن هذه التكاليف الإضافية تنضم إلى رسوم إضافية قرّرتها الحكومة اللبنانية، عندما فرضت زيادة بقيمة 17 سنتًا على مبيعات كل ليتر وقود (بنزين)، إضافة إلى 80 دولارًا على كل حاوية من قياس 40 قدمًا.
هذا، وسيكون ارتفاع أسعار الطاقة محرّكًا رئيسًا في مجال تضخّم الأسعار المحلية في لبنان؛ ففي يوم الاثنين، بتاريخ 9 آذار/مارس 2026، سجّلت ارتفاعات قياسية في أسعار النفط الخام، وسجّل تداول العقود الآجلة لنفط غرب تكساس وبرنت عند مستوى 119 دولارًا للبرميل الواحد. ووسط توقعات تفيد بأن الأسعار ستسجّل مزيدًا من الارتفاع رغم تراجعها النسبي في التداولات، فإن المخاوف من صدمة نفط تصيب الاقتصادات العالمية بدأت تتنامى. وقد عبّرت المديرة التنفيذية في صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغاييفا، عن هذا الأمر بالإشارة إلى أن كل ارتفاع في أسعار النفط بنسبة 10 في المئة سيؤدي إلى ارتفاع في الأسعار العالمية بنحو 40 نقطة أساس (0.4 في المئة).
وبالنسبة إلى لبنان، الذي يعتمد بشكل مفرط على استيراد السلع لتغطية حاجاته، وعلى المحروقات في عملية انتقال السلع والأفراد وتوليد الطاقة الكهربائية، فإن ارتفاع أسعار البنزين والمازوت سيؤدي حتمًا إلى تضخّم سريع في الأسعار. ويتوقَّع أن يكون أثر هذا الأمر أعمق وأسرع مما هو عليه في دول أخرى، ربطًا بالعناصر المذكورة، إلى جانب الضعف المؤسساتي والبنية الاحتكارية للأسواق.
وبحسب تركيبة سلّة إنفاق الأسرة المعتمدة لدى إدارة الإحصاء المركزي اللبناني، فإن حصّة النقل في المؤشّر العام لقياس الأسعار تُحتسب على أساس 13.1 في المئة، ما يعني أن كل زيادة بنسبة 10 في المئة في تكلفة النقل يمكن أن تؤدي إلى رفع الرقم القياسي للأسعار بنسبة 1.3 في المئة، فضلًا عن أن أسعار الغذاء في لبنان ترتبط ارتباطًا مباشرًا بتكلفة النقل الداخلي وتكلفة تشغيل المؤسسات.
يشمل هذا التأثير ارتفاع أسعار الطاقة الكهربائية، التي تعتمد بشكل كبير على مولّدات خاصة غير شرعية، يتم تشغيلها بمادة المازوت، ما يرفع تكاليف معيشة المقيمين في لبنان بشكل كبير، ويرفع تكلفة الإنتاج الصناعي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على المولّدات الخاصة للحصول على حاجاته من الطاقة.
ووسط ذلك كلّه، لا يُعتقد أن لدى الحكومة القدرة على إدارة التضخّم المستورد في ظل ضعف الموارد المحلية؛ فالميزانية العامة بالكاد قادرة على تغطية الحاجات التشغيلية للدولة ومؤسّساتها منذ الأزمة المالية التي انفجرت في نهاية عام 2019، فضلًا عن أن مصرف لبنان يعاني عجزًا كبيرًا في ميزانياته المثقلة بالخسائر الناتجة من اقتراضه المفرط من المصارف؛ إذ بلغت قيمة ودائع المصارف لدى مصرف لبنان 77.4 مليار دولار في نهاية عام 2025. وفي المقابل، فإن على المصارف التزامات تجاه المودعين بقيمة 87.6 مليار دولار، وما عاد لديها من رؤوس أموال سوى 4.7 مليارات دولار.
توافر السلع
على الرغم من أن جزءًا مهمًا من السلع يأتي عبر مضيقَي باب المندب وهرمز، فإن الأساس في تدفقات السلع الغذائية والأساسية يأتي من أوروبا، حيث إن وصول السلع إلى لبنان لا يعتمد على مضيق هرمز بشكل أساسي، بل يعتمد أكثر على ممر البحر المتوسط. وفي تحليل لأهم السلع الأساسية والغذائية، بحسب ممرات العبور البحرية، مثل المشتقات النفطية والمنتوجات النباتية والصناعات الغذائية، يظهر أن من غير الممكن اعتبار مضيق هرمز وباب المندب ممرين حاسمين لجهة توافر السلع في لبنان، ويمكن قراءة ذلك من خلال الآتي:
- يستورد لبنان عبر مضيق هرمز 60,263 طنًا من المنتوجات النباتية والصناعات الغذائية، ونحو 89,946 طنًا منها عبر مضيق باب المندب، في مقابل 490 ألف طن عبر البحر المتوسط.
- يستورد لبنان عبر مضيق هرمز 1.2 مليون طن من المنتوجات المعدنية (غالبيتها مشتقات نفطية وسواها)، و2,540 طنًا عبر باب المندب، مقابل 3.34 ملايين طن عبر البحر المتوسط.
هذا يعني أن في سيناريو توسّع الحرب الدائرة حاليًا في المنطقة، أو توسع الاعتداءات الإسرائيلية، وصولًا إلى الموانئ والمطار، سترتفع بطبيعة الحال مخاطر وصول السلع إلى لبنان. لكن حتى الآن، لم يحصل مثل هذا التوسّع، ولم يظهر ما يشير إلى نقص في السلع أو في المعروض السوقي منها. وما زال مرفأ بيروت، الذي يستقبل الجزء الأكبر من هذه البضائع، يعمل بشكل عادي جدًا. وقد قامت السلطات اللبنانية بتسريع وتيرة تخليص البضائع من الجمارك اللبنانية في إطار تجنّب حدوث أي خضّة في السوق.