المصدر: الوكالة المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الأربعاء 14 كانون الثاني 2026 17:37:04
بين السلبية والإيجابية راوحت ردة فعل اللبنانيين حول القرار الصادر عن مجلس الوزراء أمس الثلثاء باستثمار العقارات المملوكة من الدولة واستعمالها في مجال تطوير مشاريع إنتاج الطاقة من خلال الإستثمار في الطاقة الشمسية عبر الأراضي المشاعات.
المنحى السلبي مردّه إلى أن هذا القرار يؤكد أن أزمة الكهرباء في لبنان "طويلة جدا" ويصح فيها القول أن "ما بُنيَ على باطل فهو باطل". والنقطة الثانية تتمثل في طريقة إدارة هذه الأراضي بعدما انقطع حبل الثقة بين اللبنانيين والدولة منذ العام 2019 وربما قبل زمن الثورة وانهيار قيمة الليرة اللبنانية.
لكن تبقى الإيجابية أولوية في هذا الزمن. فقرار مجلس الوزراء يشكل خطوة استراتيجية تندرج في سياق تعزيز إنتاج الطاقة النظيفة وتنويع مصادرها، والتحول نحو حلول مستدامة تساهم في تخفيف العجز المزمن في قطاع الكهرباء، وتخفيف كلفة الإنتاج، والحدّ من التلوث البيئي.
عقارياً، تمثل الأراضي المشاع أو الممتلكات العامة في لبنان جزءا مهما من مساحة البلاد، على رغم انعدام وجود أي إحصاء مركزي رسمي دقيق لكامل هذه الأراضي. لكن وفق الدراسات المتوافرة تمتلك الدولة اللبنانية جزءا كبيرا من أراضيها، يراوح بين 20و25 في المئة من إجمالي مساحة البلاد، وتشمل هذه الأراضي غير المبنية والمخصصة للمصلحة العامة.
في المقابل، تشير بعض الأرقام الى أن مساحة المشاعات وحدها تشكل حوالى 13 في المئة من مساحة لبنان ويعود هذا التفاوت في الأرقام إلى الإشكاليات في عمليات تسجيل الملكية والتحديد العقاري. ومن هذا المنطلق، تبرز الخشية لدى المعنيين من محاولات استغلال استثمار الأراضي المملوكة من الدولة في الطاقة الشمسية كونه يحتاج إلى تحديد قانوني دقيق لضمان الاستفادة القصوى من هذه الثروة الوطنية.
رئيس حركة الأرض طلال الدويهي يؤكد لـ"المركزية" أن مشاعات الدولة تمت مصادرتها في غالبيتها وتحديدا في الجنوب حيث سُجل حوالى 5800 محضر تعدي في مخافر الأمن وكذلك الأمر في البقاع لكن من دون وجود إحصاء رسمي للمشاعات التي تمت مصادرتها هناك.
قرار الدولة استعمال المشاعات للاستثمار في مجال إنتاج الطاقة أثار نقزة لدى الدويهي"لأن هذا الأمر يعني أن لا حل لأزمة الكهرباء على المديين القريب والمتوسط. من هنا أهمية الذهاب نحو مشروع استثمار المشاعات لإنتاج الطاقة. لكن السؤال الأبرز من سيتولى إدارتها؟ فإذا كانت النية في اعتماد المحاصصة الطائفية فهذا الأمر مرفوض جملة وتفصيلا وعلى الحكومة وضع إطار مؤسسي وقانوني قوي يضمن الشفافية والكفاءة وتحقيق المنافع العامة عبر اعتماد خارطة واضحة للأراضي المشاع التي يمكن تخصيصها لمشاريع إنتاج الطاقة الشمسية مع تقييم فني واقتصادي لكل موقع، وإنشاء إدارة مختصة داخل وزارة الطاقة أو عبر الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وتكون مسؤولة عن الإشراف على تنفيذ المشاريع، ومراقبة الأداء ومراجعة العقود. ويلفت الدويهي إلى ضرورة اعتماد آلية مناقصات عامة شفافة تتيح دخول المستثمرين المحليين والأجانب، للمنافسة في الأسعار والجودة.
لا يغيب عن الدويهي أن أهمية القرار تكمن في كونه "يستغل موارد محلية غير مستثمرة لتوليد كهرباء من مصدر متجدد، بدل الاعتماد على الوقود المستورد الذي أثقل كاهل المالية العامة لعقود". وتشير دراسات محلية إلى أن الطاقة الشمسية يمكن أن توفر كلفة إنتاج أقل بكثير من الاعتماد على الوقود التقليدي، وهو ما ينعكس إيجابًا على فاتورة الاستهلاك الوطني في بلد يعاني من انقطاع الكهرباء المستمر.
من الناحية الاقتصادية، تساهم مشاريع الطاقة الشمسية القائمة على الأراضي العامة في خلق فرص عمل، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص عبر عقود شراء الطاقة وتمويل بنية تحتية عصرية. وقد شهدت السنوات الأخيرة توقيع لبنان لعقود مع شركات لتأسيس مزارع شمسية بقدرات إنتاجية تصل إلى عشرات الميغاواط، مع أسعار إنتاج تنافسية مقارنة بالتوليد التقليدي.
الثابت مما تقدّم، أن استثمار المشاعات في لبنان لإنتاج الطاقة الشمسية هو مشروع واعد وقابل للتنفيذ، وقد يكون أحد أسرع الحلول لتوسيع إنتاج الكهرباء النظيفة وأقلها كلفة. غير أن نجاح هذا الخيار يتوقف على إدارة رشيدة، وشفافية كاملة، وحماية صارمة للملكية العامة، ومن شأنه أن يحوِّل المشاعات من "أرض بور" مهملة إلى رافعة إنمائية وطاقوية حقيقية. فهل يُسمح باستثمار المشاعات؟
"المشاعات ليست ممنوعة من الإستثمار من حيث المبدأ، لكنها تخضع لطبيعة ملكيتها. فبعض المشاعات تعود ملكيتها للدولة كمثل الأملاك العمومية أو الأميرية، وبعضها الآخر يعود لجماعات محلية أو أهالي القرى. ووفق القانون يُسمح باستثمار هذه الأراضي للمنفعة العامة، شرط عدم بيعها أو تغيير صفتها القانونية، وتخصيصها لمشاريع تخدم المصلحة العامة".
أهمية استثمار المشاعات في مشروع مماثل تعود إلى الخصائص التي تمتلكها وهي وجود مساحة واسعة غير مبنية، انخفاض كلفة الأرض مقارنة بالملكية الخاصة، وإمكانية إقامة محطات شمسية من دون استنزاف الأراضي الزراعية المنتجة.
لكن هذا الأمر دونه تحديات " فنجاح مشروع استثمار المشاعات في الطاقة الشمسية وجعله مستداما يستوجب القيام بجردة وطنية دقيقة للمشاعات وتحديد مواقعها ومساحاتها ووضعها القانوني، واعتماد إطار قانوني موحد ينظم آلية تخصيص هذه الأراضي لمشاريع الطاقة المتجددة وتنظيم إدارتها لتفادي تداخل الصلاحيات بين الوزارات والبلديات وتحريرعقود استثمار محددة المدة تعيد الأرض إلى وضعها الأصلي بعد انتهاء المشروع. والأهم أن لا يتحول الاستثمار المؤقت إلى أمر واقع دائم" يختم الدويهي.