المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الخميس 30 نيسان 2026 17:18:15
في القاعة نفسها تقريبًا التي اعتادت احتضان بيانات الرأي العام، عاد شبح السبعينيات يتقدّم الصفوف. ما جرى في نقابة الصحافة اللبنانية لم يكن اجتماعًا عابرًا، بل تمرينًا سياسيًا على استعادة لغةٍ خبرها اللبنانيون جيدًا قبل اندلاع الحرب اللبنانية: شعارات كبرى، ودولة مؤجّلة، وقرار موزّع بين قوى الأمر الواقع.
في تلك السنوات، رفعت الحركة الوطنية اللبنانية رايات “القضية الفلسطينية” لتبرير ازدواجية السلاح والقرار. النتيجة لم تكن “تحريرًا” بقدر ما كانت تفككًا تدريجيًا لبنية الدولة وانزلاقًا إلى صدامٍ مفتوح. اليوم، تعود المفردات نفسها، مع فارقٍ وحيد: التجربة صارت أمامنا كاملة، بكلفتها البشرية والسياسية، ومع ذلك يُعاد تسويقها كخيارٍ وحيد.
البيان الذي خرج من اللقاء يقدّم نفسه كبرنامج “وطني”، لكنه في جوهره إعادة تثبيت لمعادلة قديمة: سلاح خارج الشرعية يُراد له أن يحدّد معنى السيادة، وقرار دفاعي لا يمرّ عبر المؤسسات بل يعلو عليها. أي سيادة هذه التي تُدار بمنطق الاستثناء الدائم؟ وأي دولة يمكن أن تقوم وقرار الحرب والسلم ليس بيدها؟
الأخطر في المشهد ليس النص بل الإيحاء. الإيحاء بأن الشارع قابل للتعبئة متى دعت الحاجة، وأن ميزان القوة يمكن ترجيحه خارج المؤسسات كلما اقتربت البلاد من مسار تفاوضي أو محاولة لاستعادة القرار. هذه ليست “رسالة سياسية” فحسب، بل تذكيرٌ بأن السلم الأهلي يبقى رهينة ضغطٍ قابل للتفعيل.
ولأن الذاكرة ليست ترفًا، يجدر التذكير: كل مرة جرى فيها تقديم “القضية” على الدولة، دفعت البلاد الثمن من وحدتها واستقرارها. وكل مرة رُفعت فيها راية “الاستراتيجية الدفاعية” خارج إطار الشرعية، انتهى الأمر بتكريس واقعٍ يبتلع الدولة بدل أن يحميها.
الخلاصة التي لا لبس فيها: ما سُمّي “لقاءً وطنيًا” هو محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل قيام الدولة الحديثة. التحذير هنا ليس مبالغة، بل قراءة باردة لتاريخٍ قريب: اللعب على حافة الشارع، ورفع السقف بوجه رئاستي الجمهورية والحكومة، ومحاولة تطويق أي تفاوض كلها إشارات إلى مسارٍ إذا تُرك بلا مواجهة سياسية واضحة، يعيد فتح أبواب مرحلة ظنّ اللبنانيون أنهم أغلقوها.
لبنان لا يحتمل تكرار التجربة. والدولة، إن لم تستعد احتكار القرار، ستبقى مجرّد هامشٍ في بلدٍ يُدار من خارجه.