استشفاء أغلى... تأمين أعلى... والمواطن يدفع

في مثل هذا الوقت من العام 2025، رفعت المستشفيات صوتها مطالبة بإعادة التسعيرة المعتمدة مع شركات التأمين إلى مستويات أقرب إلى ما كانت عليه قبل الانهيار المالي في 2019. أما هذا العام، فتعود الأزمة من بوابة مختلفة: ارتفاع أسعار المحروقات، وتضاعف كلفة تأمين الكهرباء على مدار الساعة، فضلًا عن التضخّم العالمي والمحلي وارتفاع أسعار المستلزمات الطبية المستوردة.

في ظل هذه الضغوط، عادت المستشفيات والمختبرات إلى مطالبة شركات التأمين برفع تسعيرة الفاتورة الاستشفائية. لكن أي زيادة في الكلفة التي تتحملها شركات التأمين ستجد طريقها، عاجلًا أم آجلًا، إلى أقساط بوالص التأمين التي يدفعها المؤمّن لهم.

في العام 2025، طلبت المستشفيات زيادة الفاتورة الاستشفائية بنسبة 15%، قبل أن تنتهي المفاوضات، بعد أخذ وردّ واجتماعات، إلى زيادة بنسبة 6 %، انعكست بدورها على أقساط بوالص التأمين. أما هذا العام، فارتفع سقف المطالب. مع مضاعفة أسعار المحروقات عالميًا وارتفاع كلفة التشغيل، ولا سيما كلفة تأمين الكهرباء 24/24، إضافة إلى تأثر المستشفيات بالتضخّم العالمي وارتفاع أسعار المستلزمات الطبية التي تستوردها من الخارج، طالبت المستشفيات بزيادة أكبر بنسبة 25 %.

في المقابل، تدرك شركات التأمين أن أي زيادة ستنعكس مباشرة على المؤمّنين، في وقت تتفاقم فيه الأعباء المعيشية وتتآكل القدرة الشرائية. ومع ارتفاع كلفة النقل والإنفاق اليومي، قد يجد بعض المواطنين أنفسهم مضطرين إلى التخلي عن التأمين الاستشفائي أو تقليص مستوى التغطية.

في هذا السياق، أوضح رئيس جمعية شركات الضمان في لبنان أسعد ميرزا لـ"نداء الوطن" أن "المستشفيات طالبت بزيادة 25 %، وهي نسبة مرتفعة لا يمكن القبول بها لأنها ستستدعي زيادة أقساط بوالص التأمين الاستشفائية على المؤمّنين. ولم ترفع شركات التأمين أقساطها، علمًا أن المختبرات وحتى خبراء السير يطالبون بزيادة تعرفتهم".

زيادات متفاوتة لا موحّدة

أما في ما يتعلق بحجم الزيادة على أقساط التأمين، فأوضح رئيس لجنة مراقبة هيئات الضمان نديم حدّاد لـ"نداء الوطن" أنه "يجب التمييز بين ارتفاع إجمالي الأقساط المكتتبة في السوق وبين زيادة سعر بوليصة التأمين على المؤمّن له. فارتفاع حجم الأقساط الإجمالي قد ينتج عن زيادة عدد العقود أو حجم التغطيات أو تغيّر تركيبة المحفظة، ولا يعني بالضرورة أن الأسعار ارتفعت بالنسبة نفسها".

وأضاف حدّاد أنه "عمليًا، شهد العام 2026 تعديلات وزيادات متفاوتة في أسعار عدد من المنتجات التأمينية، وبصورة خاصة في التأمين الصحي والاستشفائي، لكن لا توجد زيادة موحّدة فرضت على جميع الشركات أو جميع المؤمّن لهم. فالتسعير اختلف بحسب نوع التغطية، والفئة العمرية، وحدود التغطية، وشبكة المستشفيات".

وبحسب التقرير السنوي للجنة مراقبة هيئات الضمان، ارتفع إجمالي الأقساط المكتتبة في السوق خلال العام 2024 إلى نحو 103.03 تريليون ليرة، أي ما يقارب 1.15 مليار دولار، بزيادة 24.67 % عن 2023. وسجّل التأمين الصحي أقساطًا مكتتبة بنحو 50.51 تريليون ليرة، بما يمثل 49.03 % من إجمالي السوق، فيما بلغت أقساط فرعي السيارات نحو 20.56 تريليون ليرة، وبلغت أقساط الحياة نحو 9.01 تريليون ليرة.

أما بالنسبة إلى العام 2027، فقال حدّاد إنه "من المبكر الحديث عن نسبة زيادة محددة أو عامة، وجلّ ما يمكن قوله هو أن هناك ضغوطًا تصاعدية قائمة، خصوصًا في التأمين الصحي".

كلفة المطالبة ترتفع

فالعامل الأساسي اليوم الذي يؤدي إلى زيادة كلفة التأمين، وخصوصًا في التأمين الطبي، بحسب حدّاد "هو ارتفاع كلفة المطالبة نفسها، وليس مجرد تضخّم في سعر التأمين. لدينا تضخّم طبّي Medical Inflation ناتج عن ارتفاع تعرفة الاستشفاء، وكلفة الأدوية، والمستلزمات والمغروسات الطبية Medical implants، أي المواد الطبية التي توضع داخل الجسم.

ويعني ذلك عمليًا أن كلفة الاستشفاء والفحوص والأدوية وأتعاب الأطباء التي تتحملها شركة التأمين عند دخول المؤمّن له إلى المستشفى، باتت أعلى من السابق. وبالتالي، أصبحت كل مطالبة صحية أكثر كلفة، ما يضغط بدوره على سعر البوليصة".

إلى ذلك، أوضح حدّاد أن "هناك مجموعة عوامل تقنية أخرى: ارتفاع كلفة قطع غيار السيارات وإصلاحها، واعتماد جزء كبير من المدخلات الطبية والتقنية (medical supplies and technical equipment) على الاستيراد والدولار، إضافة إلى كلفة إعادة التأمين، ولا سيما في ظل ارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية في لبنان والمنطقة".

وأضاف: "هدفنا الرقابي ليس الوصول إلى أرخص سعر، بل إلى سعر عادل ومبرر تقنيًا وقابل للاستدامة".

دور لجنة الرقابة

أما دور لجنة مراقبة هيئات الضمان، فلا يقوم، بحسب حدّاد، " على تحديد سعر تجاري موحّد لكل شركات التأمين، بل على التأكد من أن السوق يعمل وفق قواعد الملاءة والشفافية والتسعير التقني السليم، وحماية المؤمّنين".

وقال: "نراقب تطوّر الأقساط والمطالبات، والوضع المالي لكل شركة، لأننا نريد تحقيق توازن دقيق بين أمرين: حماية المؤمّن له من زيادات غير مبررة من جهة، وعدم دفع الشركات إلى تسعير غير كافٍ يهدّد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها من جهة أخرى".

وفي الوقت نفسه، تعمل اللجنة ووزارة الاقتصاد على إصلاحات هيكلية تشمل رفع متطلبات رأس المال وإعادة تقييمها على أساس المخاطر.

قطاع في مرحلة تعافٍ

وفي ما يتعلق بوضع القطاع اليوم، اعتبر حدّاد أنه "أظهر قدرة عالية على الصمود واستعاد جزءًا مهمًا من توازنه، لكنه لا يزال في مرحلة إعادة بناء وليس في مرحلة استقرار نهائي".

وتظهر الأرقام عودة النمو إلى الأقساط التأمينية كما ذكرنا سابقاً، إذ ارتفعت بنسبة 24.67 % في 2024 إلى نحو 103.03 تريليون ليرة، أي ما يقارب 1.15 مليار دولار، فيما زادت التعويضات المدفوعة للمؤمّن لهم بنسبة 17.79 % إلى نحو 64.995 تريليون ليرة، أي ما يقارب 726 مليون دولار.

وقال حدّاد إن "هذه مؤشرات مهمة على أن القطاع لا يقوم فقط بتحصيل الأقساط، بل يستمر في أداء وظيفته الأساسية، وهي تحمّل المخاطر ودفع التعويضات".

لكن في مقابل هذه المؤشرات الإيجابية، لا يزال قطاع التأمين يواجه تحديات أساسية، أبرزها كلفة التأمين الصحي، وكلفة إعادة التأمين، والمخاطر الجيوسياسية، ومستوى الرسملة والملاءة لدى بعض الشركات، إضافة إلى الحاجة إلى تحديث الإطار التشريعي والرقابي وتعزيز حوكمة السوق.

وختم حدّاد: "لا أحب أن نصف القطاع بأنه في أزمة، ولا أن نقول إنه تجاوز كل تداعيات الأزمة. الأدق أنه قطاع في مرحلة تعافٍ وإعادة هيكلة".