المصدر: Kataeb.org
الكاتب: سيلين عسكر
الأربعاء 30 أيلول 2026 15:05:07
أصبح تطبيق تيك توك جزءًا من الحياة اليومية للعديد من الأطفال والمراهقين، إذ يتيح لهم الوصول إلى محتوى متنوع وسريع الانتشار من خلال الفيديوهات القصيرة، ومع سهولة الوصول إلى هذا المحتوى ظهر نوع من الفكاهة يُعرف بـ Dark Comedy أو الكوميديا السوداء، وهو يعتمد على الفكاهة في طرح مواضيع حساسة.
تكمن المشكلة في أن الأطفال قد يتعرضون لهذا النوع من المحتوى من دون أن يمتلكوا القدرة الكافية على فهم معناه أو سياقه، فقد يشاهد الطفل فيديو يحتوي على نكتة تتناول الموت، المرض، العنف أو مواضيع أخرى حساسة، ويعتبرها مجرد مزحة، ثم يعيد نشرها أو استخدامها من دون إدراك طبيعة الموضوع الذي تتناوله، كما أن انتشار الـTrends والميمز على تيك توك يجعل تقليد هذا النوع من المحتوى أكثر سهولة، خصوصًا عندما يصبح شائعًا بين الأصدقاء أو يحصل على عدد كبير من المشاهدات.
وتلعب آلية تيك توك دورًا مهمًا في تجربة المستخدم، إذ يتم اقتراح محتوى جديد بناءً على التفاعل والمشاهدة لذلك، يمكن أن ينتقل الطفل من مشاهدة محتوى فكاهي بسيط إلى محتوى أكثر حساسية أو جرأة، من دون أن يبحث عنه بشكل مباشر، وهذا يطرح تساؤلات حول تأثير التعرض المتكرر للكوميديا السوداء على طريقة فهم الأطفال للمواضيع الحساسة وعلى الحدود التي يضعونها بين الفكاهة والواقع.
لا يعني ذلك أن كل طفل يشاهد Dark Comedy سيتأثر بالطريقة نفسها، فالعمر، البيئة العائلية، مستوى الوعي وطبيعة المحتوى كلها عوامل يمكن أن تؤثر في طريقة استقبال الطفل له، لذلك تبرز أهمية دور الأهل والمدرسة في تعزيز الوعي الرقمي لدى الأطفال، وتعليمهم كيفية فهم المحتوى الذي يشاهدونه والتفريق بين المحتوى المناسب لأعمارهم والمحتوى الموجّه إلى جمهور أكبر سنًا.
كما أن مسؤولية الأهل لا تقتصر على السماح أو منع استخدام المنصة، بل تشمل معرفة كيفية استخدامها وفهم طبيعة المحتوى الذي قد يصل إلى أطفالهم، فمن المهم وضع حدود واضحة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والاستفادة من أدوات الرقابة والحماية المتاحة، ومتابعة المحتوى الذي يتعرض له الطفل بما يتناسب مع عمره، والأهم من ذلك هو إبقاء باب الحوار مفتوحًا، بحيث يشعر الطفل بأنه قادر على طرح الأسئلة أو التحدث عن أي محتوى شاهده من دون خوف من العقاب.
فالمراقبة وحدها قد لا تكون كافية، خصوصًا مع سرعة انتشار المحتوى وتغيّره المستمر. ويحتاج الطفل أيضًا إلى تطوير مهارات تساعده على التفكير قبل مشاركة أي فيديو أو تقليد أي Trend ، وفهم أن انتشار المحتوى أو حصوله على ملايين المشاهدات لا يعني بالضرورة أنه مناسب للجميع أو مناسب لعمره.
في النهاية، لا ترتبط المشكلة بوجود الكوميديا السوداء بحد ذاتها، بل بسهولة وصول الأطفال إلى محتوى قد لا يكون مناسبًا لمرحلتهم العمرية، وبقدرتهم على فهمه والتعامل معه، لذلك فإن دراسة علاقة الأطفال بتيك توك ومواقع التواصل الاجتماعي تساعد على فهم طبيعة المحتوى الذي يستهلكونه، وكيف يمكن تعزيز استخدام أكثر وعيًا وأمانًا للمنصات الرقمية.
إذا كان تيك توك منصة لا يُسمح باستخدامها للأطفال دون سن 13 عامًا، فلماذا نسمح لأطفالنا الأصغر سنًا باستخدامها؟
وحتى بالنسبة للمراهقين، فإن تيك توك نفسه يفرض قيودًا وميزات حماية خاصة لمن هم دون 18 عامًا، ما يؤكد أن المنصة تتعامل مع هذه الفئة العمرية باعتبارها تحتاج إلى حماية إضافية، فكيف يمكن أن نتوقع من طفل أن يميّز بين المحتوى المناسب لعمره والمحتوى الذي يتضمن مواضيع حساسة؟
هنا لا تقتصر المسؤولية على المنصة وحدها، بل تقع أيضًا على الأهل الذين يقررون السماح لأطفالهم باستخدامها، والسؤال الحقيقي ليس فقط: "ماذا يشاهد طفلي على TikTok؟"، بل أيضًا: "هل هو أصلًا في العمر المناسب لاستخدام هذه المنصة، وهل أنا أراقب وأفهم ما يتعرض له؟"
وفي ظل سهولة وصول الأطفال إلى المحتوى الرقمي، ربما لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان يمكننا منعهم من التعرض لكل محتوى غير مناسب، بل كيف نساعدهم على التعامل معه عندما يظهر أمامهم، فالمسؤولية تبدأ من الالتزام بالسن المسموح به لاستخدام المنصة، وتستمر من خلال المتابعة والحوار والتوعية، وصولًا إلى تعليم الطفل أن يكون مستخدمًا أكثر وعيًا وقدرة على التمييز بين ما يشاهده وما يشاركه.
فحماية الأطفال في العالم الرقمي لا تبدأ من الشاشة فقط، بل تبدأ أيضًا من الوعي الموجود خلفها.