المصدر: المدن
الكاتب: سامر الحلبي
الاثنين 31 آب 2026 16:27:00
مع بداية كل عام دراسي جديد تزداد الضغوط على الأهل في لبنان، وكأن الحروب العسكرية والاقتصادية المتراكمة لا تكفيهم، فيبدأ التفكير بهموم الأقساط المدرسية التي تثقل الكاهل وما يرافقها من ثمن الكتب والقرطاسية وكلفة النقل التي تزداد ارتفاعاً مع كل أيلول.
القلق والخوف
لم تعد العودة إلى المدرسة بالنسبة إلى كثير من العائلات اللبنانية مجرد موعد ينتظره الأطفال بحماسة، بل أصبحت موعداً آخر مع القلق والخوف.. حقيبة جديدة، كتب، قرطاسية، قسط مدرسي، نقل، لباس مدرسي، وأنشطة قد تبدو تفاصيل ثانوية في حياة التلميذ، لكنها بالنسبة إلى أب أو أم يحاولان تدبير شؤون المنزل، أصبحت أرقاماً تتراكم فوق ورقة واحدة، ثم تتحول إلى سؤال ثقيل: كيف سنؤمن كل ذلك؟
وللاطلاع بشكل أعمق على واقع العام الدراسي الجديد الذي ينطلق أواخر شهر أيلول استوضحت "المدن" رأي نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض حول عدة نقاط محورية تقع في صلب المعاناة التربوية في لبنان وما آلت إليه الأوضاع.
وقال محفوض لـ"المدن": "إن كلفة التعليم في لبنان تحولت بشكل جذري منذ بدء الأزمة الاقتصادية عام 2019 وباتت عبئاً يواكب حياة الأسرة اللبنانية، كما انعكست على الأساتذة الذين عملوا بحدود 3 سنوات برواتب متدنية وصلت إلى حدود 50 دولاراً، كما أدت الأزمة إلى هجرة العديد من الأدمغة إلى أوروبا والخليج، ثم إنَّ العدوان الإسرائيلي أسهم في تفاقم الوضع التعليمي".
رفع الأقساط تماشياً مع الغلاء
ويرى محفوض أن هناك زيادة على الأقساط في العام الحالي ستلجأ إليها غالبية المدارس الخاصة لا محالة دون معرفته بهذه النسبة على وجه التحديد، ثم إنَّ بعض المدارس الخاصة في المناطق البعيدة والقرى لن ترفع الأقساط تماشياً مع وجود البيئة "الفقيرة" في هذه المناطق.
ووفق محفوض "المشكلة في المجتمع اللبناني ليست فقط في ميدان التعليم بل هي سلة متكاملة من ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية وفاتورة الكهرباء إلخ.. وعليه فإن المواطن يتحمل وجعاً كبيراً وقد يضطر البعض لبيع بيته أو قطعة أرض من أجل تعليم أولاده في المدارس الخاصة، لذا على الدولة ووزارة التربية الاعتناء أكثر بقطاع التعليم الرسمي الذي يوازي اليوم نسبة 20 بالمئة مقابل 80 بالمئة للقطاع الخاص،.. ينبغي على لجنة التربية النيابية أن تعمل "تشريعياً" على متابعة وضبط انفلات الأقساط والموازنات بالعملة الأجنبية، وكيفية انعكاس الزيادات على أجور المعلمين".
ويلفت أن "هناك صعوبات تواجه الأهالي كما أن المدارس الرسمية غير قابلة لاستيعاب أعداد كبيرة من الطلاب وبالتالي هناك مشكلة حقيقية، وإذا أردنا أن نخرج من قعر البئر الذي نحن فيها حالياً على الدولة أن تهتم بقطاع التعليم لأنه هو مستقبل الأجيال المقبلة، وإلا فنحن ذاهبون حتماً إلى هلاك البشر والحجر وسنبقى نعيش على أمجاد الماضي".
واقع الأساتذة والهجرة
من جانبه يؤكد النقابي الدكتور حسين سعد لـ"المدن" أن "هناك نسبة لا بأس بها من الأساتذة والمعلمين قد غادروا لبنان بالفعل خلال السنوات الماضية إلى بعض دول الخليج بحثاً عن فرصة عمل أفضل والبعض يحصل على رواتب عالية ومجزية تصل إلى 5 آلاف دولار، وهذا الأمر يصنع خللاً واضحاً داخل الجسم التعليمي في لبنان، لأن الأستاذ لا ينال حقه المادي في المدارس الخاصة اللبنانية إلا من رحم ربي، ومن بقي داخل الوطن قد يلجأ إلى أعمال ومهن حرة إلى جانب وظيفته التعليمية حتى يجد ما يسد به رمقه".
يتابع: "لدينا تفاوت في الرواتب وخصوصاً من حيث التعاطي مع قضية الأساتذة المتعاقدين، إن العلاقة التشاركية بين المدرسة الخاصة والأهل أصبحت علاقة "تجارية" مع فقدان الثقة بين الطرفين، والأهل يشككون في الموازنة الخاصة بالمدرسة وأين وكيف تنفق الأموال؟ وفي مكان ما أصبح هناك تراجع لدور لجان الأهل وانقسام في اتخاذ القرارات إلى حد الوصول إلى نزاعات قانونية وإدارية من حيث ضرورة تسديد القسط كاملا حتى يحصل الطالب على إفادة مدرسية".
أهالي الطلاب يئنون
أما عن رأي أهالي التلاميذ تقول ردينة بلال وهي أم لولد عمره 7 سنوات: "أحاول منذ مطلع الصيف ادخار بعض المال من راتبي تحسباً لزيادة في القسط المدرسي، وأنا على يقين بأن كلفة النقل المدرسي سترتفع أيضاً، نعيش في زمن مجنون".
ويقول ميشال منصف وهو أب لبنت وولد: "لمست الزيادة في القسط المدرسي، وأحاول تدبير الأمر من خلال المساعدة المالية التي يرسلها لي شقيقي من الولايات المتحدة لأن راتبي لن يكفي لمصاريف الحياة والمدرسة معا.. وأفكر جدياً في نقل ابني وابنتي إلى التعليم الرسمي في مرحلة الثانوية العامة".
تتزامن الزيادة التصاعدية على الأقساط مع الضغوط على غالبية العائلات التي لا يزال دخلها بالليرة اللبنانية ولم يتم تصحيح رواتبها بعد، وغالبا ما يلجأ الأهالي إلى طلبات استرحام لتقسيط الأقساط والمصاريف الأخرى التي تشمل رسوم النقل والأنشطة الفكرية والعلمية وغيرها، كما يلجأ البعض إلى الأحزاب والمرجعيات والجمعيات السياسية والدينية وما شابه للملمة الجراح.
المشكلة لم تعد في القسط المدرسي وحده، فكل ما يحيط بالتعليم أصبح جزءًا من الفاتورة. ولهذا تحولت المدرسة، التي يفترض أن تكون بوابة الطفل إلى المستقبل، إلى مصدر ضغط يومي على عائلات تخشى أن تضطر في لحظة ما إلى الاختيار بين تعليم أبنائها وبين احتياجات أساسية أخرى.
وهنا نرى أن فرزاً اجتماعياً داخل النسيج المحلي قد نتج من خلال الهوة الكبيرة في الأقساط المدرسية بين مدارس خاصة ورسمية.
في لبنان، لا يسأل الأهل اليوم فقط: "أي مدرسة تناسب ابني؟" بل يسألون سؤالاً أشد قسوة: "أي مدرسة أستطيع أن أتحمل كلفتها".
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية...