المصدر: النهار
الكاتب: إسكندر خشاشو
الجمعة 20 آذار 2026 14:16:00
مع تصاعد الحرب بين إسرائيل و"حزب الله"، وتدفّق موجات النزوح من الجنوب والضاحية إلى مختلف المناطق اللبنانية، عاد إلى الواجهة سؤال ثقيل من ذاكرة الحرب الأهلية: هل يقترب لبنان مجدداً من "الأمن الذاتي المناطقي"؟
نظرياً، كل المؤشرات توحي بإمكانية الانزلاق نحو هذا النموذج. ضغط ديموغرافي مفاجئ على بلدات صغيرة، مخاوف من احتكاكات أمنية، ضعف الإمكانيات الرسمية، وقلق متزايد من اختراقات قد تستجلب الاستهداف. عوامل كهذه كانت تاريخياً كافية لولادة أشكال من التنظيم الأمني المحلي خارج إطار الدولة.
لكن عملياً، الصورة على الأرض مختلفة إلى حدّ كبير، فبحسب مصادر عسكرية وأمنية لـ"النهار"، لم يسجّل حتى الآن أي انتشار حزبي منظّم أو ظهور لحواجز تابعة لقوى سياسية في أي منطقة لبنانية، حتى في المناطق التي شهدت في مراحل سابقة تشكيل مجموعات "حماية ذاتية". وتؤكد هذه المصادر أن الحديث عن عودة الأحزاب إلى الإمساك بالأمن المحلي مبالغ فيه، ولا يستند إلى وقائع ميدانية.
ما يحصل فعلياً يندرج في سياق مختلف: البلديات، بوصفها خطّ التماس الأول مع أزمة النزوح، عزّزت حضورها الميداني عبر زيادة عدد الحراس، وغالباً بالاستعانة بمتطوعين من أبناء البلدات.
هذا الإجراء، وإن بدا للبعض مؤشراً على "أمن ذاتي مقنّع"، فإنه في جوهره تدبير تنظيمي تفرضه ظروف استثنائية: تضاعف عدد السكان، ضغط على الموارد، وحاجة إلى ضبط الحد الأدنى من النظام اليومي.
غير أن هذه البلديات نفسها تعمل تحت ضغط مالي هائل، ما يجعل هذه الإجراءات أقرب إلى "إدارة أزمة" بإمكانيات محدودة، لا إلى مشروع أمني بديل من الدولة.
أما ما أُثير عمّا سُمّي "حرّاس كسروان"، فتضعه المصادر في إطار التضخيم الإعلامي، إذ لم يتعدَّ إعلاناً على وسائل التواصل الاجتماعي، من دون أيّ ترجمة ميدانية فعلية. وتلفت إلى أن ما حصل كان مبادرات فردية لشبّان سعوا إلى الظهور بمظهر "الحماة"، من دون أي بنية تنظيمية أو غطاء سياسي أو أمني.
الأهم، وفق هذه المعطيات، أن لا وجود لأي انتشار مسلح تابع للبلديات، ولا لأي مظاهر تسليح منظّم. وفي حال وقوع إشكالات، تبقى البلديات ضمن دورها الإداري، فتسارع إلى التواصل مع القوى الأمنية أو الجيش، اللذين لا يزالان المرجعية الوحيدة للتدخل.
ومع ذلك، لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن هواجس أعمق.
فالخوف الفعلي في بعض المناطق لا يقتصر على الفوضى الاجتماعية، بل يتصل بإمكان تسلل مقاتلين أو قيادات عسكرية بين النازحين، وما قد يستجرّه ذلك من ضربات إسرائيلية تطال مناطق مدنية مكتظة. هذا القلق يفسّر تشدّد بعض البلديات في التنظيم والمراقبة، ويمنح إجراءاتها بعداً وقائياً يتجاوز الإطار الخدماتي.
هنا تحديداً تكمن المفارقة:
لبنان يقف على حافة "الأمن الذاتي" من حيث الدوافع، لكنه لم يسقط فيه من حيث الممارسة. فلا الأحزاب عادت إلى إدارة الشارع، ولا البلديات تحوّلت إلى سلطات أمنية. ما نشهده هو منطقة وسطى: إجراءات محلية مشدّدة، لكنها لا تزال مضبوطة بسقف الدولة.
المسار المستقبلي لهذا الواقع يرتبط بعاملين حاسمين:
قدرة الدولة، وخصوصاً الجيش، على الحفاظ على حضورها كمرجعية أمنية وحيدة، وسلوك القوى السياسية في ضبط جمهورها ومنع أيّ انزلاق نحو إدارة أمنية مناطقية.
حتى الآن، لا مؤشرات على انفلات شامل، بل على العكس، هناك حرص واضح على تجنّب هذا السيناريو. لكن استمرار الحرب، وتفاقم الضغط السكاني والأمني، قد يدفعان تدريجاً نحو ممارسات أكثر تشدداً.
السؤال لم يعد هل سيعود "الأمن الذاتي" بصيغته القديمة، بل هل سيتسلّل بصيغة جديدة، صامتة وغير معلنة؟ حتى اللحظة، الوقائع تقول إنه لم يفعل. أمّا الهواجس، فلا تزال تتقدّم.