المصدر: المدن
الكاتب: فاطمة البسام
الثلاثاء 21 تموز 2026 11:25:46
لم تمنع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على بعض المناطق اللبنانية تحريك سوق الإيجارات، لاسيما في الضاحية الجنوبية لبيروت. فقد أعادت الحرب رسم الخريطة السكنية داخل المنطقة، وخلقت طلباً مرتفعاً على الشقق في الأحياء الأقل استهدافاً، وهذا ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بنسب تراوحت بين 25 و50 في المئة. وبينما يبرّر المالكون الزيادات بتراجع العرض وارتفاع الطلب، يرى وسطاء عقاريون أن جزءاً كبيراً من هذه الارتفاعات ناتج عن استغلال حاجة السكان إلى السكن، في ظل غياب أي تنظيم فعلي لسوق الإيجارات.
ارتفاعات غير مبررة
فموجات النزوح المتكررة من قرى الجنوب، إلى جانب انتقال سكان الضاحية أنفسهم من الأحياء الأكثر تعرضاً للقصف إلى مناطق يعتبرونها أكثر أمناً، خلقت واقعاً جديداً في السوق العقارية، حيث باتت الشقق الشاغرة سلعة نادرة، فيما يواصل المستأجرون البحث عن مساكن لا تبعد كثيراً عن حياتهم اليومية.
ويقول الوسيط العقاري أبو حسن سويدان، في حديث إلى "المدن"، إن سوق الإيجارات في الضاحية تشهد ارتفاعات "غير مبررة" منذ اندلاع الحرب، مدفوعة بارتفاع الطلب مقابل تراجع العرض، معتبراً أن بعض المالكين يستغلون حاجة الناس إلى السكن.
ويشير إلى أن أسعار الإيجارات ارتفعت داخل الضاحية بنحو 30 في المئة، فيما وصلت الزيادة في أطرافها إلى نحو 50 في المئة، بعدما تحولت هذه المناطق إلى الخيار الأول للسكان الباحثين عن مساكن أكثر أماناً. ويوضح أن الشقة التي كان إيجارها يتراوح بين 400 و450 دولاراً أصبحت تُعرض اليوم بين 550 و600 دولار، فيما وصلت أسعار بعض الشقق إلى ألف دولار مع اشتراط دفع ستة أشهر سلفاً، رغم أن قيمتها قبل الحرب لم تكن تتجاوز 700 دولار.
ويلفت سويدان إلى أن الطلب يتركز في حارة حريك، والشياح، والمريجة، وبرج البراجنة، إضافة إلى أطراف الضاحية، نتيجة انتقال عدد كبير من السكان من المناطق الأكثر تضرراً، مؤكداً أن الطلب بات يفوق العرض بشكل واضح.
ويؤكد أن دور الوسيط العقاري لا ينبغي أن يكون المساهمة في رفع الأسعار، بل السعي إلى تحقيق توازن بين المالك والمستأجر. ويقول إن بعض الوسطاء يفضّلون ارتفاع الأسعار لزيادة قيمة عمولاتهم، بينما يحرص آخرون على المحافظة على مستويات مقبولة تضمن تأجير الشقق بسرعة وتخفف العبء عن المستأجرين.
ويرى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب أي إطار ينظم سوق الإيجارات، إذ يبقى تحديد بدل الإيجار خاضعاً بالكامل لقرار المالك، حتى لو أدى ذلك إلى إبقاء الشقة فارغة لفترات طويلة.
زيادات متفاوتة
من جهته، يعتبر صاحب مكتب عقارات في الضاحية الجنوبية حسن جنبلاط، في حديث إلى "المدن"، أن الحديث عن تضاعف أسعار الإيجارات "غير دقيق"، موضحاً أن الزيادات تختلف بين منطقة وأخرى وبين مالك وآخر، ولا يمكن الحديث عن اتجاه موحد في السوق.
ويشير إلى أن الارتفاعات تراوحت عموماً بين 20 و30 في المئة، فيما سجلت بعض الحالات زيادات أكبر تبعاً لموقع العقار ومستواه. ويضيف أن الشقق المفروشة كانت مرتفعة الأسعار أساساً قبل الحرب، إذ تراوحت إيجاراتها بين 500 و600 دولار في مناطق مثل برج البراجنة وحي السلم والليلكي واستراحة السيد، بينما بدأت من 800 دولار في مناطق مثل سان تيريز ومحيط كنيسة مار مارون والأحياء المحاذية للحدث، لذلك لا يمكن مقارنتها بالشقق غير المفروشة.
ويؤكد جنبلاط أن الطلب يتركز حالياً في أطراف الضاحية، ولا سيما المناطق المحاذية للحدث وعين الرمانة، باعتبارها أبعد نسبياً عن الأحياء التي تعرضت للقصف، وهذا ما أدى إلى ارتفاع إيجاراتها بنحو 25 إلى 30 في المئة، لتتراوح بين 800 دولار وأكثر من ألف دولار في بعض الأبنية الحديثة، فيما بقيت أسعار الشقق في الأبنية القديمة أقل نسبياً.
ويشير إلى أن الطلب لا يزال يفوق العرض في عدد من المناطق، رغم استمرار حركة التأجير، لافتاً إلى أن بعض المالكين يفرضون دفع عدة أشهر سلفاً، بينما يكتفي آخرون بالدفع الشهري مراعاةً للظروف الاقتصادية الصعبة. ويؤكد أن تحديد بدل الإيجار يبقى خاضعاً بالكامل لقرار المالك في ظل غياب أي آلية تنظيمية.
لا ضوابط لسوق الإيجارات
ولا يرتبط ارتفاع الطلب بالعوامل التجارية وتحديداً قاعدة العرض والطلب وحدها، بل أيضاً بطبيعة النسيج الاجتماعي لسكان الضاحية. فالكثير من العائلات التي دُمّرت منازلها لا ترغب في الانتقال إلى مناطق بعيدة، مفضلة البقاء ضمن محيطها الاجتماعي والجغرافي، حفاظاً على قربها من أماكن العمل ومدارس أبنائها وشبكات الدعم العائلية. لذلك، يقتصر انتقال عدد كبير منهم على الانتقال من شارع إلى آخر، أو من حي إلى حي داخل الضاحية نفسها، وهو ما يزيد الضغط على الأحياء الأقل تعرضاً للاستهداف.
ويعكس هذا الواقع مفارقة لافتة. ففي وقت يُفترض أن تؤدي الحرب إلى انكماش النشاط العقاري، أنتجت في الضاحية الجنوبية سوقاً سكنية أكثر ازدحاماً وارتفاعاً في الأسعار، مدفوعة بالخوف أكثر من الرفاهية، وبالحاجة إلى الأمان أكثر من الرغبة في تحسين السكن.
صعوبة العثور على سكن
لا تقتصر الأزمة على العائلات التي نزحت داخل الضاحية، بل تطاول العائلات التي تسعى إلى استئجار منازل فيها لأسباب مختلفة. ويقول أحد الباحثين عن شقة، بعد أن تضرر منزله في الضاحية وبات غير صالح للسكن، إنه يفضّل السكن في المنطقة نفسها، لقربها من مكان عمله، إلا أنه لم يتمكن حتى الآن من العثور على منزل يقل إيجاره عن 1000 دولار شهرياً، رغم بحثه المتواصل.
مواطن آخر، يوضح أنه اتجه إلى الضاحية بعدما عجز عن استئجار منزل في مناطق خارجها بسبب ارتفاع الأسعار من جهة والتمييز الطائفي من جهة أخرى، لكنه اصطدم بالواقع نفسه، إذ وجد صعوبة كبيرة في إيجاد شقة تناسب قدراته المالية في الضاحية أيضاً. ويشير إلى أنه عثر على شقة صغيرة في منطقة حي الأميركان معروضة للإيجار مقابل 1200 دولار شهرياً، رغم أن المنطقة لا تزال تُعدّ من المناطق التي تحمل مخاطر أمنية، معتبراً أن الأسعار لم تعد تعكس واقع المنطقة بقدر ما تعكس حجم الطلب وغياب أي ضوابط تنظم سوق الإيجارات.
ومع استمرار غياب أي ضوابط لسوق الإيجارات، تبقى كلفة النزوح الداخلي عبئاً إضافياً تتحمله العائلات التي فقدت منازلها، لتجد نفسها أمام أزمة سكن لا تقل قسوة عن تداعيات الحرب نفسها.