الاستقرار النقدي في لبنان بعد الحرب: هل يصبح مجلس النقد الخيار التالي؟

بعدما نجح مصرف لبنان، حتى الآن، في تثبيت سعر صرف الليرة وسط حرب وضغوط مالية واقتصادية غير مسبوقة، بات التحدي الأساسي يتمثل في كيفية تحويل هذا الاستقرار الموقت إلى استقرار مستدام يمنع تكرار الانهيار الذي عاشه لبنان منذ عام 2019. ومن هذا المنطلق، فتح المصرف نقاشا تقنيا حول أحد أكثر الأنظمة النقدية تشددا، وهو مجلس النقد (Currency Board)، فعقد سلسلة ورش عمل عبر تقنية "زووم" مع خبراء ومصرفيين لعرض آلية عمله وتجارب الدول التي اعتمدته، من دون أن يعني ذلك تبني هذا الخيار في المرحلة الراهنة.

ورش عمل مع خبراء دوليين

تؤكد مصادر مصرف لبنان أن "ورش العمل كان هدفها التعرف إلى آلية عمل مجلس النقد، وأسباب نجاحه أو إخفاقه في الدول التي اعتمدته، باعتباره أحد الخيارات المطروحة للدول الصغيرة أو التي تعاني اضطرابات سياسية واقتصادية".

وتشدد على أن "المصرف لم يتخذ أي قرار في هذا الاتجاه، وأن الأولوية تبقى للاستمرار في سياسة الاستقرار النقدي الحالية، على أن يسبق أي نقاش في شأن تحرير سعر الصرف أو اعتماد مجلس النقد توافر عناصر أساسية، أبرزها استقرار الوضع الأمني، وتوقف الحرب، وعودة الوافدين والاستثمارات وتدفق الرساميل إلى البلاد".

وإذ ترى أن "المحافظة على هذا الاستقرار لا تعتمد على مصرف لبنان وحده، بل تتطلب أيضا انضباطا ماليا من الدولة عبر ضبط الإنفاق وتعزيز الإيرادات"، تشير إلى أن "الخطر يبدأ عندما تتجاوز النفقات الإيرادات"، مؤكدة أن "هذا الأمر لا يزال تحت السيطرة، رغم تراجع الإيرادات بنحو 30% عن المستوى المتوقع في الموازنة نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي، وما رافقه من أعباء إضافية على المالية العامة".

وتشير إلى أن "تحقيق التوازن المالي قد يستوجب إجراءات غير شعبية، من بينها فرض بعض الرسوم والضرائب، ومنها اقتراح زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1%، وهو ما لم يقره مجلس النواب".

 

لماذا يطرح مجلس النقد؟

الخبير الاقتصادي باتريك مارديني يرى أن "النقاش حول مجلس النقد لا ينطلق من تفضيل سعر صرف ثابت أو عائم، لأن كلا النظامين يواجه المشكلة نفسها عندما تطبع العملة الوطنية بكميات تفوق حاجة الاقتصاد".

بحسب مارديني، يقوم مجلس النقد على قاعدة بسيطة لكنها صارمة، تتمثل في تغطية كل ليرة متداولة باحتياط كامل من الدولار أو من عملة أجنبية محددة.
وبذلك، لا يعود في إمكان المصرف المركزي إصدار أي كمية إضافية من العملة الوطنية إلا إذا دخلت إلى الاحتياط كمية مماثلة من العملات الأجنبية، ما يمنع الحكومات من تمويل عجزها عبر طباعة النقود، ويضع حدا لأي ضغوط سياسية يمكن أن تمارس على السلطة النقدية.

ويؤكد أن "هذه الآلية تفرض انضباطا نقديا كاملا وتعزز الشفافية، لأن كل حامل للعملة الوطنية يعلم أن في إمكانه استبدالها في أي وقت بالعملة الأجنبية التي تغطيها".

حماية الليرة وجذب الاستثمارات

يلاحظ مارديني أن "مجلس النقد يكتسب أهمية مضاعفة في بلد مثل لبنان، يتعرض باستمرار لصدمات أمنية وسياسية. ففي نظام سعر الصرف العائم، تؤدي أي حرب أو أزمة سياسية إلى انهيار سريع في قيمة العملة، فيما يؤدي أي تطور إيجابي إلى ارتفاعها، ما يفضي إلى تقلبات حادة تبعد المستثمرين وتمنعهم من بناء خطط طويلة الأجل".

 

أما في نظام مجلس النقد، فإن "تغطية العملة بالكامل بالدولار تمنح الأسواق ثقة أكبر، وتحد من الضغوط على الاحتياطات حتى في أوقات الأزمات، لأن الليرة تصبح عمليا معادلة للدولار من حيث الضمان".

ويستشهد بتجارب دول مثل هونغ كونغ، والبوسنة، وإستونيا، وليتوانيا، وعدد من دول أوروبا الشرقية التي اعتمدت هذا النظام بعد أزمات مالية ومصرفية، فنجحت في استقطاب رساميل جديدة، وإعادة تنشيط قطاعاتها المصرفية، واستئناف منح القروض، وتحريك عجلة الاقتصاد.

ليس حلا لأموال المودعين

مع ذلك، يشدد مارديني على أن مجلس النقد لا يشكل علاجا لخسائر المودعين، لأنه لا يعيد الأموال التي أنفقتها الدولة أو فقدت خلال الأزمة.

ويؤكد أن معالجة هذه القضية تبقى مرتبطة بإقرار قانون الفجوة المالية، وقانون الانتظام المالي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، فيما تقتصر وظيفة مجلس النقد على منع تكرار الأزمة نفسها مستقبلا، من خلال منع تمويل الإنفاق العام بطباعة العملة، وفرض انضباط نقدي دائم.