الاستيراد تحت المجهر: كم نستهلك؟ كم نُنتج؟

يُشكّل الاستيراد أحد أكثر المؤشرات الاقتصادية حضورًا في النقاش اللبناني، نظرًا لارتباطه المباشر بالعجز التجاري وحاجة البلاد المزمنة إلى العملات الأجنبية. ومع كل ارتفاع في قيمة الواردات، تتجدد التساؤلات حول مدى اعتماد الاقتصاد اللبناني على الخارج، وحول ما إذا كانت هذه الأرقام تعكس فعلا زيادة في الاستهلاك المحلي أم أنها ترتبط بعوامل أخرى تتصل بتقلبّات الأسعار العالمية وطبيعة السلع المستوردة.

قد تؤدي قراءة فاتورة الاستيراد بمعزل عن مكوّناتها إلى استنتاجات مضللة. جزء كبير من الواردات اللبنانية يتركز في المحروقات والذهب والمواد الأولية، وهي بنود تخضع لاعتبارات مختلفة عن الاستهلاك المباشر. ومن هنا، تبرز أهمية تفكيك أرقام الاستيراد لفهم دلالاتها الاقتصادية الحقيقية، وتقييم انعكاساتها على الإنتاج المحلي والقدرة التنافسية للاقتصاد.

قراءة في الأرقام

يلفت نقيب مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي إلى أن "قراءة أرقام الاستيراد تستوجب التوقف عند تركيبتها، إذ إن جزءًا كبيرًا منها يرتبط بالمحروقات". ويوضح لـ "نداء الوطن"، أن الارتفاع الذي شهدته أسعار المحروقات عالميًا انعكس على قيمة الاستيراد، ما يعني أن زيادة الفاتورة الاستيرادية قد لا تكون ناتجة عن ارتفاع الكميات المستوردة بقدر ما تعكس ارتفاع الكلفة".

ويشير بحصلي إلى أنه "لا يُمكن في الوقت الراهن الجزم بحجم الاستيراد النهائي لعام 2026 أو بناء استنتاجات دقيقة بشأنه، خصوصًا أن الحرب بدأت في الشهر الثاني من السنة، الأمر الذي يجعل المعطيات المتوافرة حتى الآن غير كافية لإجراء تحليل اقتصادي متكامل".

كما يؤكد بحصلي أن "قسمًا كبيرًا من فاتورة الاستيراد والتبادل التجاري في لبنان يتكوّن من المحروقات والذهب"، لافتًا إلى أن "لبنان يستورد الذهب ويعيد تصديره في إطار صناعة المجوهرات التي تُعد من القطاعات المهمة في البلاد"، كما يذكر أن "أسعار الذهب سجلت ارتفاعات كبيرة خلال العام الأخير، ما ينعكس بدوره على قيمة التبادل التجاري".

أما بالنسبة إلى الأصناف الأخرى، ولا سيّما المواد الغذائية، فيوضح أن "الأرقام المسجلة خلال الأعوام 2023 و2024 و2025 بقيت ضمن الهوامش الطبيعية، من دون تسجيل فروقات كبيرة أو تحولات استثنائية".

يختم بحصلي بالتأكيد على أن "أرقام عام 2026 لم تخضع بعد لدراسة تفصيلية، ما يجعل من المبكر إصدار أحكام أو استنتاجات نهائية بشأن اتجاهات الاستيراد خلال العام الجاري".

الاستيراد... 3 أقسام

من جهته، يُقسّم عضو مجلس إدارة جمعية الصناعيين اللبنانيين بول أبي نصر، ملف الاستيراد في لبنان إلى "ثلاثة أقسام رئيسية"، موضحًا لـ "نداء الوطن"، أن "القسم الأول يتعلق بالمحروقات، وهو قطاع لا يرتبط مباشرة بالاستهلاك بقدر ما يرتبط بأزمة إنتاج الكهرباء في البلاد". معتبرًا أن "هذا الملف يشكّل "كارثة" على الاقتصاد اللبناني، إذ إن أي تحرك في أسعار المحروقات عالميًا ينعكس فورًا على فاتورة الاستيراد".

ويشير إلى أن "قراءة أرقام المحروقات تتطلب التمييز بين الكلفة والكميات المستوردة"، موضحًا أنه إذا "انخفضت الكميات المستوردة بالتزامن مع ارتفاع الفاتورة الإجمالية، فإن ذلك يعني تراجع الاستهلاك مقابل ارتفاع الأسعار العالمية، وهو مؤشر أساسي لفهم واقع هذا القطاع".

أما القسم الثاني، فيتعلق بالذهب والأحجار الكريمة، حيث يرى أبي نصر أن "اعتبارها مجرد مواد أولية لصناعة المجوهرات هو فهم غير دقيق للواقع". ويوضح أن "جزءًا كبيرًا من هذه الحركة التجارية يرتبط باستيراد سبائك الذهب وإعادة تصديرها"، مشيرًا إلى أن "لبنان لا ينتج الذهب لغياب المناجم، بل يقتصر دوره على تصنيع المجوهرات. لذلك فإن عمليات استيراد وتصدير السبائك تكون غالبًا متقاربة في قيمتها، كما أن تمويل هذه العمليات يتم من الخارج، ما يعني أنها لا تستنزف احتياطات العملة الصعبة الموجودة داخل لبنان".

يضيف: "أن القسم الثالث يتمثل بالاستيراد الاستهلاكي الحقيقي، والذي يشمل الأدوية والمواد الأولية والسلع الغذائية المستوردة"، مؤكّدًا أن "تقييم اتجاهات الاستهلاك في لبنان يتطلب التدقيق في أرقام هذه الفئة تحديدًا، لأنها تعكس بصورة مباشرة حجم الطلب المحلي".

القدرة الإنتاجية بخيْر ولكن....

ردًا على ما يُتداول في شأن تراجع القدرة الإنتاجية للمصانع اللبنانية، يؤكد أبي نصر أن "هذا الطرح غير دقيق"، مشيرًا إلى أن "القدرة الإنتاجية تختلف عن القدرة التصديرية".

ويوضح أنه "من الممكن أن تنتج المصانع بضائع بمئات ملايين الدولارات وتبقى داخل السوق المحلية بسبب تعذّر تصديرها، وليس نتيجة تراجع الإنتاج، بل بسبب الظروف الأمنية والتحديات اللوجستية التي تُعيق وصول السفن والبواخر إلى الخليج العربي".

انطلاقًا من ذلك، يشدّد على "أهمية تحسين عمل خط التصدير البري ومعالجة العقبات القائمة مع المملكة العربية السعودية، لا سيما في ظل استمرار القيود المفروضة على دخول البضائع اللبنانية أو عبورها عبر الأراضي السعودية، وهو ما يشكل ضغطًا كبيرًا على القطاع الصناعي اللبناني".

ويؤكد أبي نصر أن "القدرة الإنتاجية للمصانع لم تتأثر سلبًا، بل ما زالت في مسار تصاعدي، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في الارتفاع الحاد للكلفة الإنتاجية، وخصوصًا كلفة الطاقة والمحروقات".

ويشير إلى أن "هذا الواقع أدّى إلى تراجع القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية، ما يجعل تأمين الكهرباء والطاقة البديلة للمصانع من أولويات الحكومة، بهدف دعم الإنتاج وتعزيز الصادرات وزيادة تدفق العملات الأجنبية إلى البلاد".

ويلفت إلى أن "ارتفاع كلفة الشحن يشكّل عبئًا إضافيًا على الصناعيين"، موضحًا أن "كلفة الحاوية التي كانت تبلغ نحو 1500 دولار ارتفعت إلى ما بين 5000 و6000 دولار، ما يدفع العديد من أصحاب المصانع إلى تحمّل هذه الخسائر من أجل الحفاظ على أسواقهم وزبائنهم في دول الخليج".

دعوة إلى الدولة

في هذا السياق، يدعو أبي نصر "الدولة إلى إعادة النظر في السياسة الضريبية المفروضة على القطاع الخاص"، معتبرًا أن "من الضروري التخفيف من الأعباء الضريبية خلال الأشهر المقبلة للسماح للمؤسسات بالاحتفاظ بالسيولة اللازمة لدفع الرواتب". ويحذّر من أن "عدم قدرة الشركات على دفع الأجور كاملة سيؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية وانخفاض الاستهلاك، ما يفاقم الضغوط على المؤسسات ويُدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من الانكماش".

ويخلص إلى أن "الحفاظ على السيولة داخل الشركات سيساعد على دعم الاستهلاك والحد من الخسائر الاقتصادية في المرحلة الحالية".

في الخلاصة، يتضح أن ملف الاستيراد في لبنان لا يمكن التعامل معه كرقم إجمالي جامد، بل كمنظومة مركّبة تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية تؤثر في قيمته واتجاهاته. وبينما تعكس بعض بنود الواردات، ولا سيما المحروقات والذهب، تقلبات الأسعار العالمية وحاجات بنيوية لا ترتبط بالاستهلاك المباشر، تبقى الفاتورة الاستهلاكية الحقيقية محكومة بواقع اقتصادي يرزح تحت ضغوط متراكمة.

في ظل هذا التشابك، يبقى التحدّي الأساسي في القدرة على قراءة هذه الأرقام بواقعية ودقة، بعيدًا من التعميم أو الاستنتاجات السريعة، بما يتيح صياغة سياسات اقتصادية أكثر توازنًا بين ضبط الاستيراد من جهة، ودعم الإنتاج المحلي وتعزيز قدرته التنافسية من جهة أخرى.