المصدر: المدن
الأربعاء 21 كانون الثاني 2026 22:54:03
نقلت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عن محللها العسكري عاموس هرئيل أن تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة "لم تترك مجالاً للشك" بشأن موقفه من الاحتجاجات في إيران، بعدما عبر عن دعمه الكامل للمتظاهرين ضد النظام، ودعاهم صراحة إلى "السيطرة على مؤسسات الحكم"، متعهداً بأن "المساعدة في الطريق".
وترى الصحيفة أن هذا الخطاب العلني يمثل انتقالاً أميركياً من مستوى الضغط السياسي والدبلوماسي إلى مستوى التهديد المباشر بإسقاط النظام، خصوصاً بعدما أعلن ترامب رفضه إجراء أي مفاوضات نووية جديدة مع طهران، رغم أن القيادة الإيرانية كانت قد طلبت هذا الأسبوع استئناف المحادثات مع واشنطن. وبحسب هرئيل، يحمل هذا الرفض في طياته تهديداً ضمنياً بهجوم عسكري قد يسرع انهيار النظام الإيراني.
ويشير الكاتب إلى أن خلفية هذا التصعيد باتت واضحة: الاحتجاجات التي اندلعت قبل أسبوعين بدأت على خلفية الغلاء المعيشي، لكنها سرعان ما تحولت إلى تعبير عن إحباط عميق ومتراكم من النظام، تعزز بشكل مباشر بتشجيع علني من الرئيس الأميركي. ويضيف أن تراجع ترامب عن دعم المتظاهرين كان سيُفهم على أنه تخلي عنهم في مواجهة الاعتقال والقتل، وهو ما لا يبدو مستعداً لتحمّله سياسياً أو رمزياً.
ويرى هرئيل أن ترامب، بعد ما يعتبره "نجاحات" لسياسته الخارجية القائمة على القوة، من قصف منشأة فوردو النووية إلى "اختطاف" الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بات يعتقد أنه قادر على تحمل مخاطر إضافية، حتى وإن كانت بحجم إسقاط نظام إقليمي كبير كإيران.
خيارات القوة الأميركية
وتقول "هآرتس" إن الشقوق التي بدأت تظهر في جدار التعتيم الإعلامي الذي فرضته السلطات الإيرانية على الإنترنت سمحت بتكوين صورة أولية عن حجم المذبحة. وتنقل الصحيفة عن تقديرات نشرتها وسائل إعلام أميركية أن عدد القتلى يتراوح بين ألفي قتيل، أي ضعف عدد قتلى الحرب مع إسرائيل في حزيران الماضي، وقد يصل إلى 12 ألفاً. ورغم غياب رقم دقيق، يؤكد هرئيل أن المقاطع المصورة والمعلومات المسربة تشير إلى عدد ضحايا "غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الإسلامية". ويرى أن اتساع المجزرة قد يدفع قطاعات واسعة من الشعب إلى كسر حاجز الخوف والانخراط في مواجهة مفتوحة مع قوات الأمن، لكنه في الوقت نفسه قد يقود إلى تصعيد غير محدود في القمع.
وتكمن الصعوبة الأساسية للاحتجاج، وفق الصحيفة، في غياب قيادة معارضة منظمة قادرة على توجيه الغضب الشعبي سياسياً. ولهذا السبب، تكشف "هآرتس" أن الأميركيين بدأوا يدرسون احتضان نجل شاه إيران السابق بوصفه زعيماً محتملاً للمعارضة، وهو سيناريو كان حتى وقت قريب يبدو بعيداً تماماً عن الواقع السياسي الإيراني.
ويطرح هرئيل سؤالاً حاسماً حول موقف قوات الأمن: هل يمكن أن ترفض إطلاق النار على المواطنين وتلقي سلاحها؟ حتى الآن لا توجد أي مؤشرات على ذلك، بل إن النظام يبدو مصمماً على سحق الانتفاضة بكل الوسائل.
أما على المستوى العسكري، فيشير الكاتب إلى أن تلميحات ترامب توحي باستعداد لاستخدام القوة، لكن ذلك يواجه مشكلتين أساسيتين: الأولى غياب "نقطة أرشميدس" واضحة يمكن عبر ضربها إسقاط النظام بضربة واحدة، خصوصاً في ظل افتراض أن المرشد علي خامنئي قد نُقل إلى مكان آمن بعد تجربة الحرب الأخيرة مع إسرائيل. والثانية أن إسقاط النظام، إن كان هدفاً حقيقياً، يتطلب حملة عسكرية طويلة تشمل استعدادات واسعة ونشر قوات وطائرات وحشداً عسكرياً كبيراً في الشرق الأوسط، وهو ما يحتاج إلى وقت، في حين أن التطورات الحالية جاءت مفاجئة نسبياً للإدارة الأميركية.
ويعدد هرئيل السيناريوهات المحتملة أمام ترامب، ومنها ضربة جوية رمزية لمرة واحدة، وهجوم سيبراني واسع، أو خطوات تصعيدية تدريجية تترافق مع بناء القوة العسكرية. ورغم أن باب العودة إلى المفاوضات يبدو ظاهرياً مفتوحاً لإجبار طهران على تقديم تنازلات كبيرة في ملف تخصيب اليورانيوم، فإن الأميركيين، مثل الإسرائيليين، لا يعتقدون أن إيران مستعدة فعلاً لأي تنازل جوهري. كما أن اتضاح حجم المذبحة سيجعل من الصعب على واشنطن كبح اندفاعها نحو التصعيد، وهو ما تعززه تصريحات المستشار الألماني فريدريخ ميرتس الذي تنبأ بأن "نهاية النظام في إيران قد تكون خلال أيام".
إعصار بدأ من غزة
ويؤكد هرئيل أن تل أبيب لا تبادر حالياً إلى شن هجوم على إيران ولا تهدد بذلك علناً، لكنها تترقب السيناريوهات المقبلة بقلق بالغ. ويتوقع أن يلجأ النظام الإيراني، في حال تعرضه لهجوم أميركي، إلى ضرب حلفاء واشنطن في المنطقة، وقد تكون إسرائيل من بينهم. غير أن مثل هذا الخيار يعني، بحسب الكاتب، الدخول في مواجهة مباشرة وعنيفة مع الجيش الإسرائيلي، في وقت تكون فيه إيران مكشوفة جوياً بعد تدمير منظوماتها الدفاعية الاستراتيجية خلال حرب حزيران الماضي. ويشير إلى أن خلف التصريحات الرسمية الإسرائيلية "المبتذلة" عن متابعة الأحداث عن كثب، تجري استعدادات أمنية كثيفة تحسباً لتصعيد قد يطال إسرائيل. ومع ذلك، يبقى من الصعب الجزم بأن ما يجري هو نهاية وشيكة للنظام في طهران، إذ إن ما سيحدث على المدى القريب سيتوقف على مدى اتساع المشاركة الشعبية في الاحتجاجات وعلى سلوك قوات الأمن الإيرانية.
وفي بعدٍ أوسع، تربط هآرتس بين ما يجري اليوم في إيران وسلسلة الأحداث التي بدأت قبل سنتين وثلاثة أشهر مع هجوم "طوفان الأقصى" الذي شنته "حماس" على غلاف غزة. ووفق هرئيل، أدت تلك العملية، بشكل غير مباشر، إلى ضربة استراتيجية لمحور إيران بأكمله: من هزيمة حزب الله في لبنان، إلى سقوط نظام الأسد في سوريا، وصولاً إلى التهديد الوجودي الذي يواجه اليوم نظام طهران نفسه. ويختم الكاتب باستعارة رمزية: "ربما بدأت القصة برفرفة جناح فراشة على حدود غزة، لكنها تحولت لاحقاً إلى إعصار يضرب سماء إيران".