المصدر: المدن
الكاتب: وليد حسين
السبت 2 أيار 2026 15:39:54
مصير الامتحانات الرسمية التي تعتزم وزيرة التربية إجرائها في شهر تموز المقبل ما زال مجهولاً. الاستعدادات لإجرائه لا تقل فوضوية عن الفوضى التي يعيشها قطاع التعليم الرسمي جراء القرارات العشوائية والمتسرعة التي تصدر بين اليوم والآخر.
تعليم حضوري للنازحين
آخر فصول التخبط في القرارات أتى يوم أمس. فقد وجهت وزارة التربية تعميماً إلى مدراء المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين لنقل طلاب الصف الثالث ثانوي لتعليمهم حضورياً في المدارس الأقرب إليهم وغير مستخدمة كمركز إيواء. وفي الوقت عينه طلب المدراء من الأساتذة الاستمرار بتعليم طلاب باقي الصفوف من بعد.
قامت قائمة الأساتذة على هذا التعميم العشوائي غير المتسق لا عملياً ولا منطقياً. فبعيداً من أن أساتذة كثراً في عداد النازحين (من سكان الضاحية على سبيل المثال) وحضورهم إلى بيروت شاق ومتعذر، يسأل أساتذة عبر "المدن": كيف لهم أن يتواجدوا حضورياً في المدارس التي حددت للتعليم الحضوري لطلاب الصف الثالث ومواصلة تعليم طلاب باقي الحلقات من بعد؟
عشوائية القرارات
ويشرح أساتذة حال الفوضى في اتخاذ القرارات في وزارة التربية مؤكدين أنها تتخذ ليس بناء على بيانات حول الطلاب والأساتذة وأين نزحوا أو تهجروا، بل عشوائياً ومن دون أي معطيات من الواقع الذي فرضته الحرب. وأبسط مثال على هذه الفوضى طلاب وأساتذة الضاحية الجنوبية. أساتذة وطلاب كثر تشتتوا في لبنان بعد نزوحهم هرباً من الحرب. والعديد من الأساتذة لم يتمكنوا من تعليم طلابهم من بعد، بل يكتفون بإرسال تسجيلات للطلاب عبر واتساب.
وحول القرار يشرح أساتذة أنه في حال تمكن الأستاذ من الالتحاق بالمدرسة التي حددتها الوزارة، هل تضمن الوزارة التحاق الطلاب؟ وتشرح مصادر مواكبة لهذا القرار أنه اتخذ كمحاولة لتعليم طلاب الصف الثالث ثانوي، بضعة أسابيع حضورية قبل موعد الامتحانات الرسمية. لكنه لم يراع واقع النزوح من ناحية ولا دوامات الأساتذة الحضورية ومن بعد لباقي طلاب مرحلة الثانوي. ليس هذا فحسب، بل ترافق القرار مع تعميم آخر لطلاب البكالوريا (أول وثاني) بإجراء امتحانات السعي الثالث في منتصف الشهر الحالي بالوسائل المتاحة، أي عبر الواتساب أو منصة تميز، بحسب الوسيلة التي يعتمدها الأستاذ. ويسأل الأساتذة: ما الجدوى التربوية والعلمية لهذا الامتحان طالما أن الطالب سيعد اجوبته من بعد ويرسلها عبر واتساب؟!
مناهج الامتحانات الرسمية
وتشير مصادر "المدن" إلى أن وفود روابط المعلمين وممثلي مدراء المدارس اقترحوا في وقت سابق على الوزيرة كرامي اقتصار مناهج الامتحانات الرسمية على ما تعلمه الطلاب حتى نهاية شهر شباط، أي قبل اندلاع الحرب في بداية آذار. ويقوم هذا الاقتراح على احتساب المنهج الذي تعلمه جميع الطلاب بشكل عادل ومتساو، إذ بعد اندلاع الحرب توقف التعليم الحضوري ومن بعد في الجزء الأكبر من القطاع الرسمي والخاص (الجنوب والبقاع وبيروت والضاحية). لكن كرامي فضلت الاعتماد على الدراسة التي يعدها المركز التربوي للبحوث والإنماء، التي تجرى حالياً.
ويشير الأساتذة إلى أنهم تلقوا روابط الكترونية منذ يومين من "المركز التربوي" يتضمن استبياناً هدفه معرفة مدى انجاز كل مدرسة من دروس في المناهج المعتمدة. وعلى ضوء هذا الاستبيان تحدد الأسئلة التي ستطرح في الامتحانات الرسمية لناحية تقليص المقررات المطلوبة في المناهج. لكن إشكالية هذه الدراسات أنها تقوم على وعي وحسن نيّة الأستاذ والمدير وليس على بيانات صلبة يمكن الارتكاز عليها لاتخاذ القرارات التربوية.
فشل التعليم من بعد
ويشرح تربويون متابعون للنقاشات الحالية في وزارة التربية مدى سوء هذه المقاربات. فعلى سبيل المثال، في كل المدارس التي تعلّم طلابها من بعد لا جدوى من احتساب هذا التعليم بالمطلق، إذ من أصل عشرين طالباً في الصف لا يحضر الصف من بعد إلا ثلاثة أو أربعة طلاب، في أفضل الأحوال. أما الأساتذة الذين لم يباشروا التعليم من بعد أصلاً فلا أحد يعلم عنهم شيء. وعليه، فإن مدير المدرسة والأساتذة المزايدين، الذين يريدون اثبات جدارتهم أمام المسؤول الأرفع منهم، يكون تقويمهم كاذباً. فالجميع يسجلون بيانات عن أنهم أنجزوا المقررات، وحينها تقوم دراسة المركز التربوي على بيانات لا تمثل الواقع على الأرض، وتوضع امتحانات رسمية لفئة من الطلاب.
تشكيك بدراسة المركز التربوي
وتشدد المصادر على ضرورة وعي الأساتذة والمديرين لخطورة الأمر وعدم المزايدة والإفصاح عن الأمور كما هي وعدم ظلم طلابهم في أمر هم غير مسؤولين عنه، بل ناتج عن تداعيات الحرب. وعليه تشكك المصادر في موثوقية هذه الدراسة التي يجريها المركز التربوي لأنها قائمة على نوايا الأستاذ. فيما كان الأفضل اختصار الجهد وإنفاق المال وعدم احتساب فترة التعليم من بعد من الأساس، والاكتفاء بما أنجزته المدارس حضورياً لغاية نهاية شباط. فباستثناء مدارس رسمية في جبل لبنان والشمال، علموا حضورياً الطلاب، كل مدارس لبنان كانت تعلم الطلاب من بعد.
إلى تداعيات الحرب التي تلقي بثقلها على قرارات وزارة التربية بما يتعلق بالامتحانات الرسمية، تأتي هذه الامتحانات وسط تلويح روابط الأساتذة والمعلمين بالإضراب وتصعيد وتيرته. وقد دعت الروابط إلى إضراب ليومين الأسبوع المقبل احتجاجاً على عدم صرف الرواتب الستة التي أقرتها الحكومة للقطاع العام. فقد عادت الحكومة وتذرعت بأن بدء تنفيذ صرف الرواتب في حاجة إلى قانون يصدر عن المجلس النيابي. وقد حول هذا المشروع على مجلس النواب وهو في حاجة لجلسة عامة. وعليه ستتصاعد الإضرابات إلى حين إقرار هذا القانون.