المصدر: eremnews
الثلاثاء 18 آب 2026 19:14:38
كشفت مصادر سياسية لبنانية خاصة، لـ"إرم نيوز"، أن إسرائيل باتت الطرف الذي يعرقل انعقاد الجولة الثامنة من المفاوضات مع لبنان، بعدما كان لبنان نفسه قد لوّح سابقاً بعدم المشاركة فيها، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة وتقنعه بالإبقاء على المسار التفاوضي مفتوحاً.
وقالت المصادر نقلاً عن دبلوماسيين لبنانيين، إن تل أبيب ترفض حالياً العودة إلى المفاوضات ما لم توافق الدولة اللبنانية على دخول الجيش إلى تلة علي الطاهر وتُسلّم المنشأة العسكرية الموجودة تحتها من حزب الله، بما يؤدي إلى إخراج عناصر الحزب وتفكيك بنيته العسكرية هناك.
وبحسب المصادر، تريد إسرائيل كذلك وضع محددات جديدة للمفاوضات، تشمل إعادة إثارة الملفات الاقتصادية وكيفية التنسيق الأمني، بعدما خلصت إلى أن نموذج "المناطق التجريبية" لم يحقق أهدافه، مع عدم سحب سلاح الحزب وتفكيك بنيته العسكرية واستمرار تعليق عمليات تفتيش المنازل والممتلكات الخاصة.
في المقابل، يحمل لبنان إسرائيل مسؤولية تعطيل التجربة بسبب استمرار الاحتلال والاعتداءات وعمليات الهدم والتجريف، بينما يسود ترقب لما ستؤول إليه العلاقة بين واشنطن وطهران وانعكاساتها على الجبهة اللبنانية.
الحزب يرفض العرض الأميركي
ويكشف الباحث السياسي اللبناني علي حمادة، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن اقتراحاً أمريكياً قدم إلى الدولة اللبنانية يقضي بتسليم منشأة علي الطاهر إلى الجيش، إلا أن حزب الله أبلغ المعنيين في الدولة بأنه لن يخرج منها.
ويقول حمادة إن الحزب ينظر إلى تسليم المنشأة باعتباره جزءاً من "مسلسل تنازلات لا ينتهي"، في ظل ما يعتبرها سياسة إسرائيلية لـ"القضم التدريجي" لمواقعه في الجنوب؛ ولذلك فإن احتمال التراجع عنها يبقى ضعيفاً للغاية.
وأضاف بأن الحزب أبلغ الجيش تمسكه بالموقع، في وقت لم تسفر فيه الاتصالات الأمريكية الأخيرة عن اختراق يسمح بتحديد موعد نهائي للجولة الثامنة.
وبذلك تحولت علي الطاهر من موقع عسكري إلى عقدة سياسية باتت تتحكم بمصير المفاوضات، إذ تطلب إسرائيل من الدولة إثبات قدرتها على فرض سلطتها على الموقع، بينما يعني تنفيذ ذلك من دون موافقة الحزب احتمال وضع الجيش في مواجهة مباشرة معه.
مقاتلون وقادة تحت الأرض
لكن حساسية علي الطاهر تتجاوز مسألة السيادة. ويقول حمادة إن داخل المنشأة تحت الأرض "مجموعة من المقاتلين والعناصر وربما قادة ميدانيين" باتوا محاصرين، لافتاً إلى معلومات تتحدث أيضاً عن وجود مستشارين إيرانيين تابعين للحرس الثوري داخلها.
ويشدد حمادة على عدم تأكد المعلومات المتعلقة بالإيرانيين، إلا أنه يصف المنشأة نفسها بأنها "أساسية وكبيرة جداً"، وواحدة من منشأتين فقط بهذا الحجم يمتلكهما الحزب في لبنان، فيما تقع المنشأة الثانية في البقاع الشمالي قرب الحدود السورية.
وتكتسب المرتفعات أهمية إضافية من موقعها الجغرافي. وبحسب حمادة، فإنها تتحكم بجزء مهم من شمال إسرائيل وسهل الحولة وصولاً إلى أجزاء شمالية من الجليل الأعلى، ما يجعل إسرائيل تعتبر تفكيك البنية العسكرية الموجودة فيها ضرورة أمنية لا مجرد ورقة تفاوض.
وتحدثت تقارير إسرائيلية ولبنانية خلال الأيام الماضية عن حصار وضغط متدرج على الموقع، بالتزامن مع مراقبة جوية وضرب خطوط الحركة والإمداد، بدلاً من الاندفاع مباشرة إلى اقتحام واسع.
الجيش في قلب المأزق
وتواجه بيروت معضلة يصعب حلها بما يتعلق بموقع علي الطاهر. فإذا دخل الجيش إليها بالقوة، يخاطر بمواجهة مع حزب الله، وإذا امتنع عن ذلك تستخدم إسرائيل الأمر دليلاً على فشل نموذج المناطق التجريبية وعجز الدولة عن تفكيك البنية العسكرية للحزب.
ولهذا برز البحث عن دور دولي في آليات التحقق، بما يمنع وضع الجيش منفرداً أمام الحزب، إلا أن الخلاف حول التفتيش والممتلكات الخاصة ومستقبل المناطق التجريبية ما زال دون حل.
ويزيد الموقف الإسرائيلي من صعوبة التسوية، بعدما باتت تل أبيب تربط الانتقال إلى مرحلة جديدة من المفاوضات بتحقيق نتيجة ملموسة في "علي الطاهر"، ما يحول الموقع عملياً إلى بوابة إلزامية أمام الجولة الثامنة.
الانتخابات الإسرائيلية تدخل على الخط
ويضيف حمادة عاملاً جديداً قد يرفع احتمال العمل العسكري، يتمثل في دخول ملف علي الطاهر إلى السجال الانتخابي الإسرائيلي.
ويقول إن قضية المنشأة "أصبحت جزءاً من الحملات الانتخابية في إسرائيل"، معتبراً أن حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى إظهار التصلب والتشدد تجعل احتمال إصدار قرار بمهاجمة الموقع مرتفعاً.
وبحسب حمادة، فإن إسرائيل تنظر إلى المنشأة باعتبارها بنية عسكرية يجب تفكيكها وتدميرها، فيما يتمسك حزب الله بالبقاء فيها، ولذلك فإن "المرجح أن تنشب معركة كبيرة حول تلة علي الطاهر".
ولا يعني ذلك بالضرورة اجتياحاً تقليدياً منذ البداية. فالسيناريو الإسرائيلي قد يقوم على استمرار القضم التدريجي والحصار وضرب المداخل وخطوط الإمداد، وصولاً إلى عملية برية أو هندسية تستهدف المنشأة نفسها إذا فشلت محاولات إخراج عناصر الحزب، كما يتوقع خبراء عسكريون.
تسوية مستحيلة؟
وتزداد خطورة المشهد مع ارتباطه بالمواجهة الإيرانية الأوسع. ويرى حمادة أن تصلب حزب الله ليس منفصلاً عن "التصلب والتشدد الإيراني على كل الجبهات، في العراق ولبنان واليمن"، ما يجعل قرار الحزب في علي الطاهر أكبر من مجرد الدفاع عن موقع جنوبي.
ويقول إن التسوية تبدو حتى الآن "مستحيلة"، مرجحاً ألا يتراجع الحزب عن الموقع "حتى لو تعرض لهجوم إسرائيلي كبير".
وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة؛ فإذا بقيت إسرائيل على موقفها الرافض لجولة تفاوضية جديدة قبل معالجة "علي الطاهر"، وبقي الحزب على موقفه الرافض لتسليمها، فإن المساحة المتاحة أمام الوساطة الأمريكية تضيق سريعاً.
وقد يصبح السؤال خلال الأيام المقبلة ليس متى تعقد الجولة الثامنة، وإنما ما إذا كانت ستعقد أصلاً قبل حسم مصير التلة.
وبين جيش لبناني لا يريد مواجهة داخلية، وحزب يرفض الانسحاب، وإسرائيل تعتبر المنشأة هدفاً لا يمكن التعايش معه، تبدو "علي الطاهر" أقرب من أي وقت مضى إلى الانتقال من عقدة على طاولة التفاوض إلى ساحة المعركة التي ستحدد شروط العودة إليها.