المصدر: نداء الوطن
الكاتب: مازن مجوز
الاثنين 16 آذار 2026 07:41:10
أعاد التحول السريع نحو التعليم عبر الإنترنت خلال السنوات الأخيرة طرح أسئلة جوهرية حول مدى جاهزية الأنظمة التربوية لهذا النمط من التعليم، خصوصًا في الدول التي واجهت أزمات متتالية صحية أو سياسية أو أمنية. فقد دفعت جائحة كورونا، ثم الظروف الاستثنائية التي شهدها لبنان المؤسسات التعليمية إلى اعتماد التعليم عن بُعد كحل بديل لاستمرارية العملية التعليمية. إلا أن هذه التجربة كشفت في الوقت نفسه عن مجموعة من الثغرات البنيوية التي تعيق فعاليته.
وفي هذا السياق يطرح الدكتور التربوي بيار جدعون قراءة نقدية لتجربة التعليم عبر الإنترنت، مبيّنًا أبرز التحديات التي ظهرت في التجارب السابقة، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن فقط في الأدوات التقنية، بل تمتد إلى الأبعاد التشريعية والتربوية والاجتماعية والنفسية التي تحكم العملية التعليمية برمتها.
ويكشف رئيس جمعية "تحديث وتطوير التعليم (MADE)" أن التعليم عبر الإنترنت لا يزال يعاني من ثغرات متعددة، تتفاقم مع التسارع الكبير في الابتكارات التكنولوجية، في مقابل عدم جاهزية العديد من المؤسسات التربوية والهيئات التعليمية للتكيف مع هذا النمط الجديد من إيصال المعرفة. ويتابع "التعليم عن بُعد لا يقتصر على نقل الدروس عبر الإنترنت، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل البنية الرقمية، والتصميم التربوي، والتشريعات المنظمة، إضافة إلى الكفايات المهنية لدى المعلمين".
ومن بين أبرز المشكلات التي يعاني منها هذا القطاع غياب البيئة التشريعية الواضحة التي تنظّمه. فبرغم المبادرات التي أطلقت سابقًا لتطوير إطار قانوني له، بقيت هذه الجهود محدودة الأثر. ويعطي جدعون مثالًا في هذا المجال "جرى بين عامي 2014 و2017 تنفيذ مشروع تعليمي مدعوم من المفوضية الأوروبية تحت عنوان ADIP – Apprentissage à distance et innovation pédagogique، شاركت فيه جامعات لبنانية ومصرية بهدف تطوير التعليم عن بُعد واقتراح مسودة قانون لتنظيمه، غير أن هذه المسودة لم تُعتمد رسميًا، وبقيت من دون متابعة تشريعية فعالة".
ويضع جدعون سلمًا خاصًا بلبنان في هذا المجال يشرح من خلاله المشاكل التي لا يزال القطاع يواجهها منذ ما قبل كورونا، وتظهر عدم جاهزيته لحالات الطوارئ.
وبدلاً من إقرار تشريع دائم، لجأت السلطات إلى اعتماد تشريعات استثنائية في فترات الأزمات. فقد ظهر ذلك بوضوح خلال فترة جائحة كورونا، ثم تكرر لاحقًا في ظروف استثنائية أخرى. ويؤكد جدعون أن هذا النهج الموقت لا يسهم في بناء نظام تعليمي مستدام قادر على مواجهة الطوارئ، بل يكرّس حالة من الارتجال في إدارة العملية التعليمية.
ولتفسير طبيعة العوائق التي تواجه التعليم عبر الإنترنت، يقترح جدعون تصورًا تحليليًا (السلم الخاص بلبنان) يقوم على أربعة مستويات مترابطة.
يتمثل المستوى الأول في الجاهزية الرقمية، ويشمل البنية التحتية التقنية مثل ضعف خدمة الإنترنت وارتفاع تكلفتها، إضافة إلى نقص الأجهزة الإلكترونية لدى عدد كبير من الطلاب. كما يشمل هذا المستوى غياب المنصات التعليمية المتخصصة، إذ اضطرت بعض المؤسسات إلى استخدام تطبيقات غير مصممة أصلًا للتعليم، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي، نتيجة غياب التدريب الكافي على أنظمة إدارة التعلم.
أما المستوى الثاني فهو الجاهزية التربوية، ويعد من أكثر التحديات تعقيدًا. فقد أظهرت تجربة التعليم خلال الجائحة أن العديد من المعلمين لم يحصلوا على التدريب الكافي لاستخدام المنصات الرقمية أو لتطبيق طرائق التدريس المناسبة للتعليم عن بُعد. كما برزت الحاجة إلى تطوير مهارات إنتاج المحتوى الرقمي وتصميم الأنشطة التعليمية التفاعلية، إضافة إلى ابتكار أساليب جديدة للتقييم والتقويم تتناسب مع البيئة الافتراضية.
ويرتبط بذلك أيضًا موضوع ضمان الجودة في التعليم الإلكتروني، إذ تبرز تساؤلات حول المعايير التي ينبغي اعتمادها لتقييم جودة التعليم عبر الإنترنت. فهل تُبنى هذه المعايير على الأهداف التعليمية أم على مخرجات التعلم أم على الكفايات التي يكتسبها المتعلم؟ كما يطرح جدعون إشكالية الجهات المسؤولة عن مراقبة تطبيق هذه المعايير وضمان النزاهة الأكاديمية في البيئة الرقمية.
إلى جانب البعدَين الرقمي والتربوي، يبرز البعد الاجتماعي كعامل مؤثر في نجاح التعليم عن بُعد، إذ يؤدي عدم تكافؤ الفرص في الوصول إلى التكنولوجيا إلى تعميق الفجوة التعليمية بين الطلاب. كما يظهر البعد النفسي والعاطفي بوصفه تحديًا إضافيًا، لأن التعلم عبر الإنترنت قد يحد من التفاعل المباشر بين المعلم والطالب، ما ينعكس على الدافعية والتواصل داخل البيئة التعليمية. وهذا ما يحيلنا إلى الحديث أيضًا عن التحديات التي لا تزال تواجه حتى التعليم المدمج، وهذا ما تشير إليه دراستي:
The Effectiveness of Using Blended Learning in Higher Education" 2025" التي توصلت إلى أن نجاح التعليم المدمج يعتمد بدرجة كبيرة على الجاهزية المؤسسية والتكنولوجية للمؤسسات التعليمية. كما أكدت الدراسة أن توفر الدعم التقني للطلاب والمعلمين يسهم في زيادة مشاركة الطلاب وتحسين نتائج التعلم.
كما كشفت دراسة:
" Striking the Balance: An In-depth Examination of the Blended Learning Challenges for Students, Teachers, and Parents"،2023 حول تحديات التعليم المدمج أن المشكلات الأساسية تتمثل في ضعف المهارات الرقمية لدى بعض المعلمين والطلاب، إضافة إلى صعوبات التفاعل وإدارة الوقت في البيئة الافتراضية. وأوصت بتوفير تدريب مهني مستمر للمعلمين، ودعم فني وتقني للطلاب، وتعزيز أدوات التواصل والتعاون داخل الصفوف الرقمية.
انطلاقًا من هذه المعطيات، يؤكد جدعون أن تحقيق تعليم فعّال عبر الإنترنت يتطلب الانتقال من الحلول الموقتة إلى بناء استراتيجية تربوية متكاملة تقوم على تشريع واضح ينظم هذا النوع من التعليم، وتطوير الجاهزية الرقمية والتربوية للمؤسسات التعليمية، إضافة إلى تعزيز التعاون بين مختلف الشركاء في القطاع التربوي.
وتتقاطع مقاربة جدعون مع ما أظهرته الدراسات الحديثة لجهة أن تطوير التعليم عبر الإنترنت لا يرتبط فقط بتوفير التكنولوجيا، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل تطوير البنية التحتية الرقمية، وتدريب المعلمين على أساليب التدريس الرقمية، وتحسين تصميم المقررات الإلكترونية، وتعزيز التفاعل بين الطلاب والمعلمين. بالإضافة إلى ما لفت إليه عدد من الدراسات وهو أن نموذج التعليم المدمج الذي يجمع بين التعليم الحضوري والتعليم عبر الإنترنت يمثل أحد أكثر النماذج فعالية في الأنظمة التعليمية المعاصرة، لأنه يحقق التوازن بين المرونة التكنولوجية والتفاعل التربوي المباشر .