المصدر: الجمهورية
الكاتب: البروفسور طوني عطاالله
الخميس 15 تشرين الأول 2026 08:47:58
ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر شراء رجل لبناني من الجنوب 84 عقاراً في منطقة لا يُقيم فيها، ما فتح الباب أمام نقاش تجاوز حدود الصفقة العقارية إلى أسئلة تتصل بالتوازن الاجتماعي، والشفافية المالية، وحقوق الملكية، ومستقبل العيش المشترك. التملّك العقاري في لبنان ليس مجرّد مسألة اقتصادية تتعلّق ببيع أراضٍ وشقق ومنازل، بل أصبح قضية تتصل بالاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي ووحدة الدولة. الأرض، في بلد لا تتجاوز مساحته 10452 كيلومتراً مربّعاً، وتتميَّز بُنيته بتعدُّد اجتماعي وطائفي، ليست مجرّد سلعة تخضع لقانون العرض والطلب، وإنما عنصر أساسي في تكوين المجتمعات المحلية واستمرارها.
اليوم تزداد حساسية المسألة عندما تتراكم عمليات شراء العقارات في مناطق محدّدة، ولا سيما إذا نفّذها فرد أو مجموعة مترابطة، وشملت مساحات واسعة أو عقارات متجاورة، بما قد يؤدّي تدريجياً إلى تغيير البنية السكانية أو إنشاء تجمّعات مغلقة وأحزمة عمرانية تفصل المناطق عن محيطها. فهل تستطيع السلطة أن تبقى متفرّجة عندما تتحوَّل عمليات بيع مشروعة، كلٌّ على حدة، إلى ظاهرة قد تهدِّد التوازن المجتمعي؟
أدركت الميليشيات خلال سنوات الحروب في لبنان أهمية مسألة التملّك، فأنشأت مكاتب لمراقبة حركة الدوائر العقارية، تتولّى مهمّة التأكّد من سلامة عملية البيع ومنع إجراء عمليات تهدف إلى تحقيق فرز طائفي أو تبادلي.
جبل لبنان نموذجاً لمشكلة وطنية
اليوم تثير عمليات التملك العقاري الواسعة مخاوف متزايدة في بعض مناطق جبل لبنان، ولا سيما المتن وكسروان وبعبدا وعاليه وبحمدون، فضلاً عن مناطق أخرى في الشمال والبقاع وجزين. وتتناقل الأوساط المحلية معلومات عن شراء عقارات وشقق وشاليهات بالجملة، أحياناً بواسطة شركات أو وسطاء، بما يطرح تساؤلات حول المالك الفعلي ومصادر التمويل والغاية من تجميع الملكيات في نطاق جغرافي واحد. ولا يجوز اعتبار هذه المعلومات حقائق ثابتة من دون تحقيق رسمي، كما لا يصح الحكم على مشروعية التملك انطلاقاً من هوية المشتري الطائفية. لكنّ تجاهل الظاهرة، في حال ثبوتها، يترك المجال للشائعات والتوظيف السياسي والطائفي.
إنّ شراء منزل للسكن يختلف عن الاستحواذ على عشرات العقارات المتلاصقة. والخطورة لا تكمن في الانتماء الديني للمشتري، بل في حجم التملك وتركيزه وآثاره المحتملة على البيئة الاجتماعية والعمرانية.
عندما تتجاوز الملكية الفردية آثارها الخاصة
يحمي الدستور اللبناني الملكية الخاصة، ويضمن حق المالك في التصرُّف بأمواله ضمن حدود القانون. ولا يجوز حرمان المواطن من بيع عقاره، خصوصاً عندما تدفعه الظروف الاقتصادية إلى ذلك. لكنّ مشروعية كل عملية بيع منفردة لا تعني بالضرورة انتفاء المخاطر الناجمة عن تراكم عمليات الشراء. قد تتحوَّل الملكيات المتجاورة، إذا تركّزت في يد جهة واحدة أو جهات مترابطة، إلى وسيلة للسيطرة المكانية، أو لإعادة تشكيل البنية العمرانية والسكانية في منطقة معينة. وهنا يظهر دور السلطة في التوفيق بين حق الفرد والمصلحة العامة، لا بمصادرة الملكيات أو منع البيع اعتباطياً، بل بوضع ضوابط قانونية عامة تمنع الاحتكار والتحايل والاستحواذ المنظم.
الدستور لا يحمي الملكية وحدها
تنص الفقرة (ط) من مقدّمة الدستور، على أنّ أرض لبنان أرض واحدة لجميع اللبنانيّين، وأنّ لكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، مع رفض التجزئة والتقسيم والتوطين.
ويكرّس هذا النص مبدأَين متكاملَين: وحدة الأرض اللبنانية وحرّية اللبنانيّين في الإقامة والتمتع بها، من دون تقسيم أو تمييز. ولا يمكن الاستناد إليه لمنع اللبناني من التملّك في منطقة تختلف عن انتمائه الطائفي، لأنّ ذلك يناقض جوهر المواطنة ووحدة الدولة.
لكن هذا المبدأ لا يحول دون تدخّل المشرّع، وفق ضوابط دستورية واضحة، لحماية المصلحة العامة من الممارسات العقارية التي تنطوي على احتيال أو احتكار أو استغلال منظم. أمّا تملّك غير اللبنانيّين، فقد أخضعه المشرّع لنظام خاص بموجب القانون المنفّذ بالمرسوم رقم 11614 لعام 1969 وتعديلاته، ولا سيما القانون رقم 296 لعام 2001، الذي وضع شروطاً وسقوفاً للمساحات المسموح بتملكها.
ويؤكّد ذلك أنّ حق الملكية، على أهمّيته، ليس بمنأى عن التنظيم القانوني عندما تقتضيه المصلحة العامة.
ماذا نتعلّم من التجارب المقارنة؟
في العالم 30 دولة أصغر مساحة من لبنان (موناكو، ليشنشتاين، أندورا، لوكسمبورغ...)، ويمكن لأي متموّل أن يشتري مساحات واسعة ويُقيم مراكز استيطان (التجربة المأساوية في فلسطين). لذا اعتمدت هذه الدول ضوابط للتملك من دون أن تمسّ بحقوق الملكية الفردية. المسألة في الدول المتنوّعة ليست موجّهة ضدّ حق الملكية، بل مرتبطة بالتضامن الاجتماعي والحفاظ على تماسك النسيج الوطني. عرضت الأمر على بعض الجامعيّين القانونيّين وليس الحقوقيّين، فوجدتهم في غربة عن الموضوع، بل هو مجهول بالكامل، فيما الحاجة إلى التوسع في الاجتهادات والدراسات. تُظهر التجارب الدستورية المقارنة، أنّ الدول تستطيع اعتماد ضوابط عقارية تراعي خصوصية مناطقها، ولا سيما الجزر الصغيرة والمناطق ذات المساحات المحدودة، شرط احترام الشرعية والمساواة والتناسب بين القيود والغاية المنشودة.
إنّ حماية السكان من الإقصاء الاقتصادي والعمراني، والحفاظ على إمكانية حصولهم على السكن، يمكن أن يشكّلا مصلحة عامة تبرر تدابير تنظيمية محددة.
والعبرة بالنسبة إلى لبنان ليست في استنساخ التشريعات الأجنبية، بل في الاستفادة من المبدأ الذي تقوم عليه: حرّية التملك لا تلغي مسؤولية السلطة عن النتائج الاجتماعية والعمرانية لتراكم الملكيات.
من القلق إلى الحلول
لا يكفي التحذير من التغيير الديموغرافي، بل ينبغي الانتقال إلى سياسة عقارية وطنية تقوم على إجراءات واضحة:
1. إنشاء قاعدة بيانات موحّدة لرصد الملكيات العقارية وتوزُّعها الجغرافي، مع حماية البيانات الشخصية.
2. إلزام الشركات بالإفصاح عن المالك الفعلي، وكشف عمليات الشراء المترابطة التي تتمّ بواسطة أسماء متعدِّدة.
3. تعزيز الرقابة على مصادر الأموال، والتحقيق في الصفقات المشبوهة وفقاً للقانون.
4. إخضاع المشاريع العقارية الكبرى لدراسات أثر عمراني واجتماعي، وفق معايير موضوعية غير طائفية.
5. وضع آليات قانونية لمراقبة التملّك المكثف والمتجاور، ومنع التحايل على القيود المعمول بها.
6. مساعدة المالكين الذين تدفعهم الحاجة الاقتصادية إلى بيع ممتلكاتهم بشروط مجحفة، من خلال أدوات تمويلية واجتماعية مناسبة.
وتتطلّب هذه السياسة تعاون الإدارات العقارية والبلديات والسلطات القضائية والرقابية، ضمن تشريع دقيق يحدّد الصلاحيات والضمانات ويُخضع القرارات للمراجعة القضائية.
الأرض مسؤولية وطنية
إنّ حماية التوازن الاجتماعي في لبنان لا تتحقق بمنع اللبنانيّين من التملّك خارج مناطقهم، ولا بتحويل الاختلاف الطائفي إلى حاجز عقاري جديد. كما أنّها لا تتحقق بترك السوق وحده يرسم مستقبل المناطق وتكوينها السكاني.
السلطة مطالبة بحماية حرّية المالك المحتاج إلى البيع، وبمنع استغلال حاجته في عمليات استحواذ منظمة قد تفضي إلى إقصاء السكان أو تغيير البيئة العمرانية والاجتماعية بصورة قسرية أو احتيالية.
المطلوب ليس حماية مناطق لطائفة من طائفة أخرى، بل حماية وحدة المجتمع اللبناني من تحويل الأرض إلى أداة للفرز والانقسام.
في بلد صغير المساحة، عانى طويلاً من النزاعات والانقسامات، تصبح السياسة العقارية الرشيدة جزءاً من مسؤولية السلطة عن الاستقرار والسلم الأهلي.
الأرض ملكية خاصة، نعم، لكنّها أيضاً مساحة مشتركة للعيش والمواطنة. وبين هذَين البُعدَين تقع مسؤولية السلطة في تحقيق العدالة وحماية المصلحة العامة.