التملّك العقاري في ميزان الدستور والعيش المشترك (جزء 2)

كتب عميد المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية والإدارية والإقتصادية سابقًا في الجامعة اللبنانية البروفيسور طوني عطاالله:

هل يمكن أن تتحول الأرض من مساحة للعيش المشترك إلى وسيلة لإعادة رسم موازين نفوذ سياسي وأمني وديموغرافي؟ وهل يكفي أن تكون عمليات البيع والشراء قانونية في ظاهرها حتى نطمئن إلى نتائجها؟

ليست هذه التساؤلات افتراضية في بلد اختبر، خلال حروب 1975–1990، محاولات الفرز السكاني والتقسيم الجغرافي، قبل أن يكتشف اللبنانيون أن المتاريس والمعابر والتهجير لم تنجح في إقامة كيانات منفصلة قابلة للحياة.
لكن انتهاء الحرب لم يُنهِ بالضرورة مخاطر الفرز. تتخذ هذه المرة أشكالاً اقتصادية وعقارية، بمعزلٍ عن السلاح، عندما تتحول الملكيات المتراكمة إلى أدوات نفوذ تتجاوز الغاية الطبيعية من السكن والاستثمار.

بين حرية الإقامة وموجبات العيش المشترك
أراد المشترع الدستوري، بعد تجربة الحرب، تأكيد وحدة الأرض وحرية اللبنانيين في الإقامة والتنقل، فكرّست الفقرة (ط) من مقدمة الدستور رفض الفرز السكاني والتجزئة والتقسيم والتوطين.

لكن الفقرة (ي) من المقدمة نفسها أضافت مبدأ لا يقل أهمية: "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

والجمع بين المبدأين يفرض التمييز بين انتقال المواطنين بحرية، وهو حق دستوري، وبين استغلال التملك والإقامة من قوى منظمة لتحقيق أهداف سلطوية أو إحداث تحولات سكانية قسرية.

شهد لبنان محاولات لمعالجة هذه الإشكالية تشريعياً، منها اقتراح تقدم به الوزير السابق بطرس حرب لضبط بعض عمليات البيع والشراء بين اللبنانيين عندما تتجاوز أهدافها الحقوق العقارية الطبيعية. ويبدو أن الاقتراح لم يُقرأ ولم يُفهم! المسألة هنا ليست حماية منطقة من مواطنين ينتمون إلى طائفة أخرى، بل منع تحويل الانتماء الطائفي إلى أداة للاستحواذ السياسي على الأرض.

وقائع لبنانية تستدعي التحقق
لم تبدأ المخاوف العقارية اليوم. ففي 25 حزيران 2019، نقل غسان حجار في صحيفة "النهار" تحذيرات رئيس بلدية الحدت من عمليات تملك اعتبر أن وراء بعضها أهدافاً سياسية. واتخذت البلدية تدابير داخلية تداركًا لتفاقم الظاهرة.

وفي 13 كانون الثاني 2022، تناولت "النهار" رصد "حركة الأرض" لعمليات تملك متراكمة، ولا سيما على امتداد طريق الشام.
ثم برزت قضية عقار ساسين في الأشرفية، التي تناولها مجد بو مجاهد في "النهار" بتاريخ 24 كانون الأول 2022، على خلفية اجتماع شارك فيه ستة من نواب دائرة بيروت الأولى من أصل ثمانية نواب، وسط مخاوف من انعكاسات ديموغرافية محتملة.

وفي بداية التسعينيات، حاول أحد المتمولين غير الزحليين عقد صفقة لاستثمار فندق عريق في وسط مدينة زحلة، مما أثار امتعاضًا عارمًا، فإضطر متمول من المدينة إرجاع المبلغ المدفوع إألى الأول للحفاظ على معلم زحلي.
هذه الوقائع لا تثبت بذاتها وجود مشروع منظم للتغيير السكاني، لكنها تكشف استمرار القلق وضرورة إخضاعه للتحقيق والبيانات، بدلاً من تركه مادة للتجاذب الطائفي.

وليست التحذيرات جديدة. تناول شكري برتو خوري، منذ عام 1964، أهمية عدم التفريط بالأرض اللبنانية في كتابه Ne gaspillez pas la terre du Liban. (أنطوان مسرّه، حوكمة النظام الدستوري اللبناني، 2025، فصل "ضوابط التملك العقاري في مجتمع تعددي وفي لبنان").

ماذا في تجارب العدالة الأوروبية؟
تقدم التجربة الأوروبية نموذجاً جديراً بالدراسة والتوسع في الدراسات المقارنة والاجتهاد. 
في قضيةGuillow  ضد المملكة المتحدة، الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في 24 تشرين الثاني 1986، برقم 9063/80، نوقشت القيود السكنية المفروضة في جزيرة غيرنزي، في ضوء الحاجة إلى حماية سوق السكن المحلي ومصالح السكان.

اعترفت المحكمة بمشروعية الغاية العامة من التنظيم، لكنها أخضعت تطبيق القيود لمبدأ التناسب، وانتهت إلى اعتبار التدخل في الحالة المعروضة غير مبرر. تبرز أهمية هذا الاجتهاد في أنه يميز بين مشروعية الهدف ومشروعية الوسيلة المستخدمة لتحقيقه.

كما يورد الباحث Pierre Kovacs أمثلة عن ضوابط خاصة في جزر أوروبية، منها الجزر الفريزية الهولندية وفارو وآلاند (Îles frisonnes des Pays-Bas, Féroés du Danemark, Allands de Finlande)، حيث تبرز اعتبارات حماية الخصوصيات المحلية واللغوية، ومنع إقصاء السكان نتيجة ارتفاع أسعار العقارات.

وهذه التجارب لا تبرر القيود الطائفية، لكنها تؤكد إمكان تنظيم الحقوق العقارية وفق معايير موضوعية ومتناسبة.
Pierre Kovacs, « La protection des minorités dans la jurisprudence de la Cour européenne des droits de l’homme », ap. Laszlo Trocsanyi et Laureline Cognard (dir.), Statut et protection des minorités  Exemples en Europe occidentale et centrale ainsi que dans les pays méditerranéens, Bruxelles, Bruylant, 2009, 254 p., pp. 49-81. 

الأرض والذاكرة والعدالة التاريخية
تقدم جنوب أفريقيا تجربة مختلفة، لكنها تكشف عمق العلاقة بين الأرض والاستقرار الوطني. منذ انتهاء نظام الفصل العنصري عام 1994، أصبحت معالجة الاستيلاء التاريخي على الأراضي جزءاً من مشروع إعادة بناء العدالة والمصالحة.

خصصت صحيفةLe Monde  تحقيقاً في 4 صفحات  لهذه المسألة في عددها الصادر يومي 20 و21 كانون الثاني 2019 (من ص 14-17)، مبرزة تعقيدات استعادة الحقوق العقارية والخوف المتبادل بين المجموعات السكانية. وتشير حالات أخرى أن القيود المفروضة في بعض المجتمعات تصل إلى حد منع الشاري من الحصول على إقامة، خاصةً في حالات التحايل.
والدرس الأساسي أن النزاعات على الأرض لا تُعالج بمنطق الغلبة أو الانتقام، بل بمؤسسات عادلة تحمي الحقوق وتمنع إعادة إنتاج المظالم.

الرقابة على العقارات: فوق الأرض وتحتها
ثمة جانب لا يجوز إغفاله، يتعلق بالأمن الوطني. من حق السلطة العامة، بل من واجبها، التحقق من طبيعة المنشآت والمحتويات الموجودة فوق العقارات وتحتها، ضمن الصلاحيات والإجراءات التي يحددها القانون.

قد تُستخدم الملكيات الواسعة أو المتجاورة لإقامة منشآت تحت الأرض أو مستودعات أو ممرات وأنفاق أو بنى تحتية أمنية وعسكرية غير مشروعة، تخدم أحد الأحزاب أو الميليشيات بعيداً عن رقابة المؤسسات الرسمية.
ولا يجوز أن تتحول حرمة الملكية الخاصة إلى حصانة تحجب عن السلطات المختصة التحقق من الاستخدام الفعلي للعقارات، عندما تتوافر مؤشرات جدية تستوجب التدقيق.

لكن ممارسة هذه الرقابة تقتضي احترام الضمانات الدستورية والقضائية، فلا تفتيش أو دخول أو كشف على الملكيات الخاصة خارج الأصول القانونية. الملكية الخاصة حق دستوري، لكنها لا تمنح صاحبها حق إنشاء بنى أمنية أو عسكرية موازية للسلطة الشرعية.

من التملك إلى التلاعب بالجغرافيا الانتخابية
ثمة بُعد آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي في لبنان: العلاقة بين الإقامة والتمثيل السياسي. إن التلاعب بتسجيل أماكن الإقامة أو القيد الانتخابي قد يتحول إلى وسيلة للتأثير في التوازنات الانتخابية، بما يعرف بالتلاعب بالجغرافيا الانتخابية (Gerrymandering).

وتبرز هنا أهمية التحقق من الروابط الفعلية أو القانونية التي تبرر نقل القيد، ومنع تحويله إلى إجراء صوري يخدم مرشحاً أو لائحة انتخابية. المطلوب أن تعكس السجلات والعمليات الانتخابية الحقوق القانونية للمواطنين، لا أن تصبح أداة لإعادة تركيب الموازين السياسية بصورة مصطنعة. هذا التحدي يتصل أيضاً بالغاية الإصلاحية للمادة 95 من الدستور، وبضرورة تجاوز الاستخدام السياسي للانتماءات الطائفية.

حماية الأرض لا تعني إقامة حدود بين اللبنانيين
كل الحالات المذكورة وغيرها مما قد يظهر تباعًا تستدعي الانكباب على دراسة هذه الظاهرة وإيجاد الحلول لها. ولا يكون ذلك بإشاحة النظر عنها أو إنكارها أو التنكر لها. إن حماية الأرض اللبنانية لا تتحقق بإحياء الحواجز التي أسقطتها تجربة الحرب، بل بمنع استغلال الحقوق العقارية والانتخابية لتحقيق أهداف تتعارض مع المواطنة والعيش المشترك.

تقع على السلطة مسؤولية التمييز بين حرية الأفراد في التملك والإقامة، وبين الممارسات المنظمة التي قد تستهدف إعادة تشكيل النفوذ السياسي أو إقصاء السكان. الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل إطار للذاكرة والانتماء والمواطنة. وحمايتها لا تكون بتقسيم اللبنانيين، بل بمنع تحويلها مجدداً إلى أداة لتقسيمهم.