التهديد غير المباشر لكابلات الخليج: سيناريو الانقطاع يبدأ في الخليج ويصل إلى لبنان

المشهد بإختصار: عند الساعة 11:07 قبل الظهر، تتوقف الشاشات دفعة واحدة داخل قاعة العمليات في أحد المصارف في بيروت. تتعطل أنظمة التحويل الخارجي، ويظهر إشعار مقتضب "Connection Timeout" في مطار رفيق الحريري الدولي، تتأخر تحديثات الرحلات، وتستعاد بعض الإجراءات اليدوية. في مستشفى قريب، يحاول طبيب الوصول إلى صورة أشعة مخزنة على خادم خارجي، لكن الطلب يبقى معلقا. خلال دقائق، تتكرر الأعطال في مؤسسات عدة: شركات شحن تفقد القدرة على تتبع حاوياتها، ومتاجر إلكترونية تتوقف عن استقبال الطلبات، ومراكز خدمة تنقطع عن قواعد بياناتها. لا انقطاع في الكهرباء، ولا مؤشرات لهجوم مباشر، بل خلل غير مرئي في عمق البحر.

هذا المشهد لا يهدف إلى التهويل، بل يعكس حقيقة تقنية على خلفية ان نحو 99% من حركة الإنترنت العالمية تمر عبر كابلات الألياف الضوئية البحرية، ما يجعلها بنية تحتية حرجة تضاهي في أهميتها الممرات النفطية وخطوط الملاحة.

لماذا الاضاءة على هذا المشهد الآن؟

نشرت وكالة "تسنيم" خريطة مفصلة لكابلات الإنترنت البحرية التي تعبر مضيق هرمز، مرفقة بتحليل يظهر هشاشتها الجغرافية. واستندت إلى معطيات شركة TeleGeography، سواء كان مرساة سفينة، حطاما بحريا، أو فعلا متعمداً، قد يؤدي إلى تعطيل عدة أنظمة دفعة واحدة. هذا الطرح لم يكن تقنيا بحتا، بل حمل في طياته دلالات تقترب من مفهوم "الضغط الجيوسياسي غير المباشر".

وتكتسب مناطق مثل مضيق هرمز وبحر عمان أهمية مضاعفة، إذ تمر عبرها منظومات كابلات رئيسية مثل AAE-1 وFalcon وTGN-Gulf، إضافة إلى كابل IMEWE الذي يربط الهند بأوروبا عبر الفجيرة في بحر عمان. هذه الشبكات لا تنقل البيانات فقط، بل تدعم الاقتصادات الرقمية، والخدمات المالية، والأنظمة اللوجستية، والبنى الصحية والإدارية.

يشير الخبير في إدارة الاتصالات جبران خوري إلى أن "الإشكالية الأساسية لا تكمن في عدد الكابلات، بل في توزيعها الجغرافي. فبفعل اعتبارات سياسية وملاحية تاريخية، جرى تجنب بعض المسارات البحرية، ما أدى إلى تكدس الكابلات في نطاقات ضيقة ضمن المياه العمانية. هذا الواقع يخلق ما يسميه "عنق الزجاجة الرقمي"، حيث تصبح عدة شبكات حيوية عرضة للخطر نفسه في آن واحد."

ويضيف خوري أن "المخاطر لا تقتصر على الانقطاع، بل تشمل أيضا صعوبة المعالجة. فإصلاح الكابلات البحرية يتطلب سفنا متخصصة وتقنيات دقيقة، وغالبا ما يستدعي بقاء هذه السفن في مواقع ثابتة لفترات طويلة. في بيئات متوترة أمنيا، قد يصبح هذا النوع من العمليات معقدا أو حتى مستحيلا، ما يطيل أمد الأعطال ويضاعف آثارها الاقتصادية".

أمام هذه التحديات، اتجهت دول الخليج إلى "اعتماد مقاربة استباقية تقوم على تنويع مسارات الربط الدولي. إذ لم يعد الاعتماد على الممرات البحرية كافيا، بل يجري تطوير مسارات برية موازية، إلى جانب تعزيز البنية الرقمية الداخلية. كما عملت على استقطاب شركات التكنولوجيا الكبرى مثل Google  وMicrosoft وAmazon لإنشاء مراكز بيانات محلية، ما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية حتى في حال تعطل الاتصال الخارجي".

هل سيتأثر لبنان؟

في المقابل، يبدو المشهد في لبنان أكثر حساسية. إذ يعتمد بشكل كبير على كابل IMEWE كممر رئيسي للاتصال الدولي. فالارتباط الوثيق بهذا الكابل، الذي يملك لبنان فيه سعات كبيرة عبر محطة طرابلس، يجعله عرضة لتأثيرات مباشرة وغير مباشرة وتتمثل في خطر العزل الرقمي، بما أن كابل IMEWE يربط الهند بالشرق الأوسط ثم أوروبا، فإن أي استهداف لمساره في بحر العرب أو الخليج سيؤدي إلى فقدان لبنان لجزء هائل من سعات الإنترنت الدولية، بما يسبب بطئا شديدا أو انقطاعا في الخدمات التي تعتمد على خوادم في آسيا أو الخليج. إضافة الى تأثر قطاع الخدمات بشكل جذري، إذ يعتمد لبنان بشكل كبير على التحويلات المالية والخدمات المصرفية المرتبطة بمراكز إقليمية في دبي والسعودية، وأي تعطل في الكابل المذكور سيؤدي إلى شلل تقني في التواصل المالي بين بيروت والأسواق الخليجية.

عام 2009 شهد لبنان آخر استثمار جدي في منظومة كوابل بحرية، بهدف وضع لبنان على خريطة الربط الدولي من خلال الانخراط الفاعل في كابل IMEWE، وهي الرؤية التي أثبتت جدواها ومحوريتها على مدار السنوات اللاحقة، حيث وفرت للبنان سعات دولية واستقرارا في الاتصالات صمد أمام الكثير من الهزات التقنية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والمالية. غير أن المرحلة اللاحقة لم تشهد وتيرة استثمار مماثلة، ما أدى إلى فجوة تدريجية في تطوير البنية التحتية الدولية.

فإدارة "أوجيرو"، التي تسلمت مهامها مطلع عام 2017 حتى 2025، وجدت في حسابات الهيئة نحو 160 مليون دولار كأرباح متراكمة عن السنوات السابقة. إلا أن هذه الفوائض، إلى جانب سلف الخزينة والاعتمادات المرصودة في الموازنات العامة، صرفت لاحقا في مسارات إدارية ووظيفية، فيما بقيت مشاريع أساسية، مثل إنشاء مسارات إضافية أو تطوير شامل لشبكات الألياف البصرية، ضمن نطاق محدود. 

هل من بديل؟

أما الحلول البديلة، مثل الإنترنت الفضائي عبر Starlink، فبرأي خوري "لا يمكن اعتبار خدمات الإنترنت الفضائي، مثل Starlink، بديلا فعليا لكابل IMEWE، نظرا للفارق الكبير في القدرة الاستيعابية وزمن الاستجابة، ما يجعل من هذه الحلول مناسبة للاستخدامات الفردية أو الطارئة، لا لتغطية الطلب الوطني الشامل. كما أن ارتباطها بنقطة تواجد شبكي خارج لبنان، وتحديدا في قطر، يبقيها عرضة لاعتبارات تقنية وجيوسياسية مماثلة".