المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الجمعة 5 حزيران 2026 08:49:22
ليس تفصيلا بسيطا أو هامشيا أن يسعى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تزامنا مع الجولة الختامية من مفاوضات يومي 2 و3 حزيران بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، إلى الإطلالة من بيروت تلفزيونيا لتظهير المحافظة على نفوذ بلاده واستمرار تأثير دورها في لبنان وربطه بالمفاوضات الإيرانية- الأميركية، على قاعدة أن لبنان مرتبط بإيران، وسلامه من سلامها، عبر إعلانه أن أيّ هجوم على بيروت ستكون له "عواقب وخيمة" وقد يؤدي إلى استئناف الحرب.
لم تتحرك إيران فعلا حين قصفت إسرائيل بيروت. وتقول مصادر ديبلوماسية إن عراقجي لم يكن ليعلن ذلك لولا منعُ الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيس الحكومة الإسرائيلية من استهداف العاصمة اللبنانية. وبدا هذا التصريح وتوقيته استباقا لنتائج مفاوضات واشنطن، فيما كانت الأجواء من العاصمة الأميركية تشي بتقدم على المسار اللبناني - الإسرائيلي لم يلبث أن شكّل ردا عبر تأكيد الفصل بين لبنان وإيران وامتلاك الدولة اللبنانية وحدها حق التفاوض وورقته. وهذا دليل على التجاذب المستمر بين الولايات المتحدة الساعية إلى فصل لبنان عن مفاوضات إيران، واستمرار الأخيرة في مساعي إبقاء ورقة لبنان بين يديها، فيما دحضت المفاوضات في واشنطن المساعي عبر تأكيد كل من الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل أن "مستقبل العلاقة بين إسرائيل ولبنان يجب أن تقرره حصراً الحكومتان السياديتان للبلدين"، ورفض "أيّ محاولة من أيّ دولة أو جهة غير حكومية لاحتجاز مستقبل لبنان أو فرض الوصاية عليه".
ويرتبط التنفيذ باحترام إسرائيل في الدرجة الأولى التزام وقف النار الذي أبرمته مع الدولة اللبنانية والترتيبات المرافقة، بما يساهم في تعزيز وضعها وموقعها، بالإضافة إلى استمرار التزام واشنطن الواضح حتى الآن هذا المسار، وعدم الخلط في مرحلة تالية بين المسارين اللبناني والإيراني، من دون تجاهل الالتزامات اللبنانية في المقابل. وما عدا ذلك، فإن إسرائيل تقدم أوراق قوة للحزب وإيران معا على حساب لبنان.
هل يسلّم "الثنائي الشيعي" بوقف النار الذي أنتجته المفاوضات المباشرة، وما رافقه من خطوات تتعلق بالمناطق التجريبية التي تمهد لانسحاب إسرائيل من لبنان وترمي الكرة في ملعبها بما ينقض سرديته ومنطقه في رفض هذه المفاوضات؟
إنها إشكالية محرجة لـ"حزب الله" وحتى للرئيس نبيه بري الرافض المفاوضات المباشرة، فيما "الثنائي" ضاق هامشه جدا نتيجة اعتبارات ميدانية وسياسية كثيرة. فكيف يتصرف في ضوء كل هذه التطورات، خصوصا أن لا ضمان للقدرة على إمرار الصيف من دون انفجار اجتماعي في بيئة الحزب أولا، إذا بقيت الأمور على ما هي؟ وهل التزامه وقف النار وفقا للاتفاق التي خرجت به المفاوضات في واشنطن سيحتم عليه التزام المبدأ وعدم مواجهته، فضلا عن التزام البنود الأخرى، باعتبار أن الحل متكامل وستتم متابعته على خلفية أن العودة إلى ما كان سابقا أمر صعب ويكاد يقارب المستحيل، إذ لا الحزب ولا إيران يمكن إن يشكلا ضمانا لعدم العودة إلى الحرب بعد اللجوء إليها في 2023 والانقطاع عنها منذ 2006؟
الخلاصات الأساسية أن المفاوضات تتقدم ولو ببطء، وهي المسار السليم والواقعي لتحقيق ما يريده لبنان بناء على ما يكرره رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في هذا الإطار . وهذا أفضل بكثير من الحرب وأفضل من لا شيء يمكن أن يحصل مع حكومة يمينية إسرائيلية متطرفة من دون مصلحة أميركية في الضغط لتحصيل ما يمكن تحصيله.
وبعيدا من المزايدات السياسية، كشف رئيس الجمهورية عن تهديد رئيس الوفد سيمون كرم بتعليق التفاوض، بما يثبت أن الدولة تفاوض في شكل تدريجي ولا تلتزم شيئا قبل أن تأخذ ما تريده في المقابل، مع مراعاة الإصرار على أنها لا تذهب إلى سلام بينها وبين إسرائيل، بل تريد إنهاء حال العداء بين الجانبين. والمناطق التجريبية أمر إيجابي، ترجمة لمبدأ خطوة مقابل خطوة، بحيث أن لبنان ليس شريكا لإسرائيل في "تنظيف" جنوب الليطاني والمناطق الأخرى التي توغلت فيها، بل ينقل الضغط أيضا إلى ملعبها، وإذا لم تقبل بذلك، فلا صدقية لزعمها عن أهداف الحرب، أي إنهاء الوجود العسكري للحزب على حدودها فحسب.