المصدر: نداء الوطن
الكاتب: شربل صفير
الجمعة 28 شباط 2025 07:59:34
مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، ازدادت الجرائم الإلكترونية مستهدفة الأفراد والشركات على حد سواء. من الابتزاز المالي والجنسي إلى الاحتيال والقرصنة وسرقة البيانات، بات الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة للمجرمين، في ظل غياب رقابة صارمة وقوانين رادعة.
في مجتمع يعاني من الانهيار المالي وارتفاع نسبة البطالة، أصبحت هذه الجرائم تهديداً يومياً يطارد اللبنانيين، مخلّفاً خسائر مالية فادحة وانعكاسات نفسية واجتماعية خطيرة. فكيف يمكن التصدي لهذا الخطر المتفاقم؟ وهل يملك لبنان الأدوات الكافية لمواجهته؟
إزدياد الشكاوى
سجلت دائرة الجرائم الإلكترونية في جهاز الشرطة لعام 2024 عدداً هائلاً من الشكاوى، بلغ 146 شكوى تتعلق بالتهديد، القرصنة، انتحال الشخصية، التشهير، والابتزاز. وتوزعت الحالات كالتالي: تهديد 38 شكوى، قرصنة 34 شكوى، انتحال شخصية 33 شكوى، تشهير 21 شكوى وابتزاز 20 شكوى. أما من حيث الجنس، فقد تقدمت الإناث بـ 87 شكوى مقارنة بـ 70 للذكور.
في مقارنة مع العام 2023، يتضح أن الأطفال دون 18 عاماً قدموا 185 شكوى، أي ما يعادل 7% من إجمالي الحالات. وقد توزعت شكاوى القاصرين بين انتحال شخصية (40 شكوى)، قرصنة (38 شكوى)، تهديد (40 شكوى)، تشهير (26 شكوى)، وابتزاز (23 شكوى)، في مؤشر خطير على استهداف الفئات الأكثر ضعفاً.
لبنان ساحة مفتوحة
يؤكد الاختصاصي في التطوير التكنولوجي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، هشام الناطور، لـ"نداء الوطن"، أن الجرائم الإلكترونية أصبحت وباءً يصعب احتواؤه في لبنان، حيث تطال جميع الفئات العمرية، والمؤسسات الخاصة والعامة. وأوضح أن هذه الجرائم تشمل عمليات اختراق، سرقة بيانات، تجسساً، وابتزازاً، وتتخذ أشكالاً متعددة، أبرزها التهديد بنشر معلومات حساسة لإرغام الضحايا على دفع أموال، أو تنفيذ طلبات مشبوهة، وغالباً ما يكون الابتزاز جنسياً أو مالياً.
أضاف أن الأزمة الاقتصادية الحادة في لبنان ساهمت في تصاعد هذه الظاهرة، خصوصاً مع الانتشار الهائل لتطبيقات التواصل الاجتماعي. وأشار إلى فضيحة "تيك توك" الأخيرة التي هزّت الرأي العام اللبناني، كدليل على هشاشة الأمان الرقمي. ولفت إلى أن ضعف القوانين وعدم فعالية الأجهزة الرقابية يتيحان للمجرمين تنفيذ عملياتهم بسهولة.
وتابع الناطور: "وفقاً لتقارير قوى الأمن الداخلي ومكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، فإن استهداف القاصرين والنساء آخذ في التصاعد، حيث يجدون أنفسهم ضحايا لعمليات ابتزاز جنسي واحتيال مالي، مدفوعين بالضغوط الاقتصادية والمعيشية الخانقة". كما شدّد على أن القوانين الحالية، مثل المادة 650 التي تعاقب على التهديد، لا تزال قاصرة عن التصدي لهذه الجرائم، ما يستدعي تحديث التشريعات لمواكبة تطور أساليب الجريمة الإلكترونية.
عمليات احتيال عبر وسائل التواصل
في إطار الجهود المتواصلة لمكافحة جرائم النصب عبر الإنترنت، كشفت شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي عن انتشار عمليات احتيال واسعة تستهدف اللبنانيين عبر تطبيق "واتساب"، حيث تصل رسائل من أرقام أجنبية تعرض على الضحايا فرص عمل عن بُعد مقابل أرباح مغرية.
وتبدأ عملية النصب بطلب متابعة صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، مقابل مبالغ مالية يتم تحويلها مبدئياً عبر شركات تحويل الأموال في لبنان. وبعد إقناع الضحية بمصداقية العرض، يُطلب منها استثمار أموال في مواقع إلكترونية مخصصة للاحتيال، حيث تتم سرقة أموالها من دون أي استثمار حقيقي.
لذلك، حذّرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي المواطنين من الوقوع في هذه الأفخاخ الرقمية، مطالبةً إياهم بالتأكد من مصداقية الشركات قبل التعامل معها، وعدم مشاركة بياناتهم الشخصية مع أي جهة غير موثوقة، وعدم الرضوخ لطلبات المبتزين.
خسائر بمئات الملايين
يقدّر الخبراء أن الجرائم الإلكترونية في لبنان تتسبب بخسائر تصل إلى 300 مليون دولار سنوياً، حيث يستهدف القراصنة الأفراد والشركات على حد سواء. وقد أدى تزايد عمليات الاختراق إلى فقدان الثقة في التجارة الإلكترونية، مما انعكس سلباً على الاقتصاد المحلي.
كيف يمكن تفادي الوقوع في الفخ؟
لمواجهة تصاعد الجرائم الإلكترونية، يجب تبني استراتيجيات فعّالة تشمل بحسب الناطور:
التوعية والتثقيف: ضرورة إطلاق حملات توعية رقمية لتعريف المواطنين بأساليب الاحتيال، وسبل الحماية.
تعزيز الأمن السيبراني: تحديث الأنظمة الأمنية واعتماد تقنيات متطورة لحماية البيانات الحساسة.
توفير قنوات إبلاغ سريعة: تخصيص خطوط ساخنة للإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية والتعامل معها بسرعة.
التعاون الدولي: تنسيق الجهود بين لبنان والدول الأخرى لمكافحة الهجمات السيبرانية بشكل فعال.
إلزام الشركات بتدابير وقائية: تشجيع المؤسسات على تطوير بروتوكولات أمنية لحماية بياناتها وعملائها.
ردع حاسم
الجرائم الإلكترونية في لبنان لم تعد مجرّد تهديد عابر، بل باتت تحدياً خطيراً يهدّد الأمن المجتمعي والاقتصادي. ومع استمرار تفشي هذه الظاهرة، يصبح من الضروري التحرّك العاجل لتشديد القوانين، وتعزيز التعاون بين السلطات والمواطنين، لضمان بيئة رقمية أكثر أماناً وحمايةً للجميع.