المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الأربعاء 25 آذار 2026 11:47:46
تفرض السيناريوهات الضبابية نفسها في أفق الاقتصاد اللبناني كلما طال أمد الحرب، حيث تتراجع التوقعات الإيجابية لمصلحة تقديرات أكثر قتامة، وتتحوّل الرهانات على التعافي إلى إدارة أزمة مفتوحة. في أحد السيناريوهات، يقتصر الضرر على تباطؤ النموّ واحتواء نسبي للتداعيات. وفي سيناريو آخر أكثر تشاؤماً، يتعمّق الانكماش، وتتسع الاختلالات المالية، وتتآكل القدرة على الصمود تدريجاً، في ظل غياب أفق زمني واضح لانتهاء الحرب.
ومع استمرار النزاع، تتقلص هوامش التعافي التي كانت قائمة مطلع العام، ويتحول التركيز من احتمالات النموّ إلى إدارة الخسائر واحتواء التداعيات، في ظلّ هشاشة البنية المالية وتآكل قدرة الدولة على التدخل الفعال.
الخبير المالي والمصرفي نسيب غبريل يشير إلى غياب أرقام ثابتة في المرحلة الراهنة، معتبراً أن "الحديث عن تراجع كبير في ميزان المدفوعات أو تسجيل عجز حادّ يبقى في إطار التقديرات، إذ إن آخر البيانات المتوافرة تعود إلى الشهر الأول من السنة، ما يجعل ما يتداول أقرب إلى سيناريوهات محتملة منه إلى معطيات نهائية".
في ملفّ تحويلات المغتربين، يوضح غبريل إلى أن "المعدل السنوي يقارب 6.4 مليارات دولار، بعدما لامس 7 مليارات في 2024، مع توقع عودته إلى مستواه الطبيعي في 2025، فيما المخاوف من تراجع هذه التحويلات بفعل التوترات في الخليج لا تستند، برأيه، إلى معطيات صلبة، إذ أظهرت تجارب الأزمات العالمية وجائحة كورونا قدرة هذه التدفقات على الصمود، فضلاً عن تنوّع مصادرها بين الخليج وأميركا الشمالية وأوروبا وأفريقيا وأستراليا، ما يحدّ من أيّ تراجع كبير محتمل.
أما احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، فيبقى مؤشراً محورياً، بعد تراجع محدود بنحو 17 مليون دولار في أول شهرين من السنة، ليستقر عند 11.9 مليار دولار، مع ارتفاع بنحو 3.3 مليارات دولار منذ منتصف 2023 حتى شباط 2026. هذا "المسار يأتي بعد انخفاض بنحو 540 مليون دولار في الربع الأخير من 2024 تحت ضغط الحرب ورفع سقوف السحوبات وفق التعميمين 158 و166".
بالنسبة إلى سعر الصرف فإن القدرة على المحافظة على استقرار سعر الصرف تبدو قائمة وفق غبريل "لكن وتيرة تراكم الاحتياطي مرشحة للتباطؤ أو حتى التراجع إذا استمرّت الضغوط".
المالية العامة تبدو "الحلقة الأضعف" برأي غبريل "الاتجاه نحو العجز كان قائماً قبل الحرب، وتفاقم مع زيادة الإنفاق بنحو 800 مليون دولار، في وقت تتراجع فيه الإيرادات، فيما الإجراءات الضريبية، بما فيها الرسوم على البنزين وزيادة الضريبة على القيمة المضافة، لم تتمكن من سد الفجوة، ما يفتح الباب أمام عجز يصعب تقدير حجمه بدقة".
في ما يتعلق بالنموّ، كان الأداء مقبولاً في بداية السنة مع توقعات تراوح بين 3 و4% وموسم صيف واعد مدفوع بعودة المغتربين. إلا أن الحرب بدلت المسار، لتتجه التقديرات نحو انكماش قد يبلغ 4% إذا بقيت المواجهات محدودة زمنياً، ويرتفع إلى ما بين 7 و8% في حال استمرارها خلال 2026.
في المقابل، يبرز احتياطي الذهب كعنصر قوة غير مستثمر، بعدما بلغت قيمته نحو 47.7 مليار دولار بنهاية شباط، بزيادة كبيرة منذ 2019. الحاجة وفق غبريل "تزداد لمقاربة أكثر فاعلية للإفادة من هذا الارتفاع، خصوصاً مع تسجيل نسبة مرتفعة للذهب إلى الناتج المحلي".
التضخم لا يزال عند مستويات مرتفعة تقارب 14.8%، رغم تراجعه مقارنة بالأعوام السابقة، مع اتجاه تصاعدي محتمل نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالمياً وكلفة الاستيراد والشحن والتأمين، ما ينعكس مباشرة على الأسعار المحلية.
في القطاع المصرفي، يستمر مصرف لبنان في تأمين السيولة للسحوبات وفق التعميمين 158 و166، من دون وضوح بشأن تعديل السقوف، فيما تميل وزارة المالية إلى مواصلة تأجيل المهل الضريبية وتخفيف الغرامات في ظل الظروف الاستثنائية.
المحصلة، كما يراها غبريل، أن الصورة الاقتصادية لا تزال رهينة تقديرات متحركة، وأن اتجاهاتها تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، تتحدد بشكل أساسي وفق مدة الحرب وحدة تداعياتها.