المصدر: المدن
الكاتب: عزة الحاج حسن
الخميس 5 آذار 2026 12:25:01
تجاوزت الحرب مسألة التصعيد العسكري والأمني في الشرق الأوسط، لتتحوّل تدريجياً إلى انتحار اقتصادي على مستوى العالم، عنوانه "الغاز الطبيعي المسال" أو LNG.
ففي غضون اليومين الماضيين من إيقاف "قطر للطاقة" إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات ذات الصلة، بسبب هجوم عسكري على عدد من مرافقها التشغيلية في قطر ثم إخطار عملائها بـ"حالة القوة القاهرة" حتى قفزت الأسعار الفورية للغاز الطبيعي المسال في آسيا وأوروبا إلى نحو 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu)، وهو مستوى يزيد عن ضعف الأسعار المسجلة الأسبوع الماضي، وسط توقعات باستمرار الضغوط على الأسعار طالما بقي إنتاج قطر من الغاز متوقفاً.
ولا تكمن المخاطر في حقيقة الأمر، فقط في ارتفاع الأسعار بل في أهمية السلعة نفسها. فالغاز المُسال له حيثية في قطاع الطاقة، والنقص بالغاز لا يمكن تعويضه سريعاً عبر زيادة الإنتاج أو السحب من المخزون الاحتياطي، كما هو حال النفط، إنما الغاز عبارة عن منظومة متكاملة من عقود طويلة الأمد تتراوح بين 10 سنوات و30 سنة وبنى تحتية للتسييل شديدة التعقيد والشحن وإعادة التغويز.
ولا ننسى أن قطر وحدها تستحوذ على نحو 20 في المئة من تجارة LNG في يالعالم، وبالتالي فإن أي تعثر في إمداداتها من شأنه أن يفتح فجوة بالأسواق العالمية يصعب سدّها، وهو ما يضرب اقتصادات الدول الصناعية الكبرى واقتصاد العالم عموماً بموجة تضخم جديدة قد تمتد آثارها إلى كل منزل ومصنع في العالم.
في ظل هذا المشهد الخطر، لم تعد الأزمة مجرد اضطراب عابر في الأسواق، إنما دليل قاطع على أن استمرار الحرب سيدفع الاقتصاد العالمي إلى الانتحار من بوابة الغاز المسال.
العاصفة الاقتصادية العالمية
قطر التي توقّفت عن إنتاج الغاز المسال بسبب "القوة القاهرة" الممثلة بالحرب العبثية التي تخوضها إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تّعد ثاني أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، بحصة سوقية تفوق نسبتها 20 في المئة من تجارة الغاز المسال عالمياً. وتتّجه النسبة الكبرى من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الآسيوية، التي تستحوذ على نحو 82 في المئة من إجمالي الصادرات، فيما تحصل أوروبا على قرابة 10 في المئة منها، وهو ما يعني فعلياً أن العاصفة الاقتصادية العالمية ستنطلق من آسيا.
وإذ يشدّد خبير النفط العالمي رودي بارودي على دقة وأهمية مادة الغاز وحجم اعتماد الأسواق على الغاز القطري، يقول في حديثه لـ"المدن" أن لا وجهة أخرى يمكنها تعويض السوق من كميات الغاز الهائلة التي تصدّرها قطر. وهنا نتحدث عن مادة تستخدم في الكثير من المجالات الصناعية.
والغاز المسال لا يمكن تأمينه بشكل فوري من السوق (Spot Market) فالأمر صعب جداً، وفي حال توفره يكون بكميات ضئيلة وأسعار مرتفعة جداً. ويلتقي الباحث في مجال الطاقة في معهد عصام فارس مارك أيوب مع بارودي لجهة حساسية سوق الغاز واختلافه عن سوق النفط، لاسيما أن الغاز المسال يعتمد بشكل أساسي على العقود المسبقة، وتُحجز الكميات عادة قبل أشهر، وغالباً ما تكون العقود طويلة الأمد تحكمها معايير دولية واضحة. لذلك فإن الجهات الأكثر تأثراً بأي اضطراب في السوق، وفق حديث أيوب لـ"المدن" فهي الدول التي تعتمد على الاستيراد المباشر بموجب عقود مسبقة. وهذا الأمر من شأنه توسيع دائرة تداعيات الحرب إلى دول صناعية بعيدة جغرافياً عن نطاق الإستهدافات العسكرية كدول آسيا وأوروبا.
تداعيات الحرب لن تستثي أحداً
من الواضح أن الضرر سيطال العالم بأسره، وليست هذه مجرّد مخاوف أو توقعات، فالآثار المباشرة لأزمة الغاز سيلمسها كل شخص من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا، وسيتكبد خسائر حقيقية وتكاليف إضافية، لاسيما أن نطاق الحرب يتّسع أكثر ولا يبدو لها أفق.
تقف الدول غير المنتجة للغاز المسال في طليعة الدول المتأثرة من توقّف الإنتاج والنقل، منها الصين والهند وكوريا الجنوبية من أكثر الدول تأثراً، إلى جانب بعض الدول الأوروبية مثل إيطاليا وبلجيكا، يقول أيوب. وتكمن أهمية الغاز المسال في كونه يُعاد تحويله إلى حالته الغازية في المحطات المخصّصة، ثم يُستخدم في التدفئة والصناعة وتوليد الكهرباء. كما أن العديد من الدول تعتمد عليه بديلاً عن النفط، نظراً إلى أن آثاره البيئية تقل نسبياً عن بعض مصادر الطاقة الأخرى.
ونظراً لأن معظم الدول المتأثرة هي دول صناعية كبرى، مثل الصين واليابان وعدد من الاقتصادات الأوروبية، فإن أي ارتفاع في الأسعار ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي. فزيادة كلفة الطاقة تعني ارتفاع كلفة الإنتاج، ما يؤدي إلى تضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات عالمياً.
حتى الولايات المتحدة التي تبدو للوهلة الأولى غير متضررة من توقف إنتاج الغاز في الشرق الأوسط تحديداً قطر، وتحقّق مكاسب مؤقتة، غير أن تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي لا شك لن تستثني أي بلد وتحديداً كبرى الاقتصادات ومنها الولايات المتحدة.
ماذا لو استمرت الحرب؟
استمرار الحرب يعني إنتحار للعالم اقتصادياً، بهذه العبارة يختصر بارودي نتائج الحرب فيما لو طال أمدها. ويؤكد أن أي تعطيل طويل الأمد للملاحة عبر مضيق هرمز سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة خصوصاً الغاز المسال، وهو ما سينعكس تلقائياً على أسعار السلع والخدمات حول العالم، نظراً لارتباط الطاقة بكافة مفاصل الاقتصاد. كما أن استمرار إغلاقه سيؤثر في إمدادات الغذاء والواردات الأساسية لدول الخليج.
ولن يقتصر ضرر إغلاق مضيق هرمز على خصوم إيران فحسب، بل سيطال جميع الدول دون استثناء، بما فيها الدول المصدّرة للطاقة ومنها إيران، لأن ارتفاع الأسعار المفرط يضعف الطلب ويضرّ بالاقتصاد العالمي على المدى المتوسط. باختصار الجميع متضرر ويتّجه إلى الانتحار اقتصادياً كلما طال أمد الحرب وتوقف الإنتاج.
ويشير أيوب إلى عامل خطر آخر من شأنه أن يشكّل مزيداً من الضغط على الدول الأوروبية بسبب توقف إنتاج الغاز المسال، ففي حال طال أمد الحرب قد تعجز أوروبا عن إعادة ملء مخزونها الاستراتيجي قبل الخريف المقبل.
ففي أوروبا، استُهلك جزء كبير من المخزون الاستراتيجي خلال الشتاء الماضي، ما رفع حجم الاستهلاك. وكانت الدول الأوروبية قد التزمت منذ الحرب الروسية الأوكرانية بملء مخزونها الاستراتيجي بنسبة تصل إلى 90 في المئة قبل موسم الشتاء. إلا أن هذه النسبة تراجعت حالياً إلى نحو 30 في المئة نتيجة الاستهلاك المرتفع.
ما يعني أن الدول الأوروبية ستضطر قبل شهر أيلول إلى إعادة ملء مخزونها الاستراتيجي، لكن بكلفة أعلى من السابق، في ظل الأسعار المرتفعة والمخاطر الجيوسياسية. على ما يقول أيوب.
وعلى الرغم من أن الأسعار لم تصل بعد إلى مستويات أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، غير أن استمرار التصعيد قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى. وفي حال طال أمد الحرب، فإن إعادة تكوين المخزونات قبل الشتاء المقبل ستكون أكثر كلفة على الجميع، ما سينعكس على أسعار الطاقة للمستهلكين وعلى معدلات التضخم عالمياً. مع الإشارة إلى أن الحرب لا تعيق فقط إنتاج كميات من الغاز إنما أيضاً تعيق النقل والتأمين، إذ ارتفعت كلفة الشحن والتأمين بشكل ملحوظ، كما أوقفت بعض الشركات عملياتها مؤقتاً بسبب المخاطر، ما يزيد الضغط على سلاسل الإمداد.
في المحصلة، نحن أمام أزمة طاقة ذات أبعاد عالمية، إذ إن أي خلل في إمدادات الغاز المُسال أو نقله ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي ككل، وهو ما يحصل فعلياً اليوم.