المصدر: المدن
الكاتب: نغم ربيع
السبت 6 حزيران 2026 00:25:35
"يمكن إعادة بناء منزل، لكن المكتبة لا يمكن تعويضها". بهذه الكلمات يختصر الأستاذ في الجامعة اللبنانية عبد الحسن الحسيني حجم الخسارة التي لحقت بمكتبة والده، المرجع الشيعي الراحل السيد هاشم معروف الحسيني، بعدما دمّر الجيش الإسرائيلي المبنى الذي كان يضم منزل العائلة والمكتبة الخاصة في مدينة صور، في ثالث أيام عيد الأضحى.
دفن العدو تحت الركام مكتبة كاملة، ومعها جزء من ذاكرة عائلة، وسيرة رجل أمضى عمره بين الكتب، وجزء من الذاكرة الثقافية لمدينة لطالما احتضنت المعرفة وأهلها. فالسيد الحسيني كان رجل فكر ودين ذائع الصيت، وكان مقرباً جداً من الإمام موسى الصدر، وارتبط بصلة صداقة وثيقة مع المفكر الراحل حسين مروة، كما أن العديد من رجالات الفكر كتب عن سيرته وأبحاثه.
يقول الحسيني عن مكتبة والده لـ"المدن": "هذه المكتبة كانت خزان ذاكرتنا. هي ذاكرة العائلة، وذاكرة الناس والطلاب والباحثين الذين قصدوها على مدى عقود. المنزل يحمل رمزية صاحبه، أما المكتبة فكانت تحمل حياته الفكرية كلها".
بالنسبة إليه، المكتبة كانت عالمًا قائمًا بذاته. كان والده ينظر إليها باعتبارها مؤسسة معرفية متكاملة، أو كما كان والده يصفها "جامعتي".
ويستعيد حادثة لا تزال راسخة في ذاكرته. ففي إحدى الزيارات، سأل أحد أفراد وفد أجنبي والده عن الجامعة التي تلقى فيها علومه. يومها التفت إلى رفوف مكتبته وقال "في هذه الجامعة... هذه جامعتي".
لم تكن العبارة مجرد استعارة. فالمكتبة ضمّت مئات الكتب والمخطوطات والوثائق النادرة في التاريخ والفلسفة والفقه وعلوم الدين، إلى جانب نسخ قديمة من القرآن الكريم ومؤلفات لعلماء وفقهاء من أجيال مختلفة. كانت حصيلة عمر كامل من القراءة والبحث والاقتناء، ومشروع حياة راكمه صاحبه كتاباً بعد كتاب.
تدمير المكتبات
لم يبقَ من تلك "الجامعة" سوى الركام. اختفت الرفوف التي احتضنت آلاف الصفحات، وتبعثرت المخطوطات والوثائق بين الأنقاض. لكن ما يراه عبد الحسن يتجاوز خسارة مكتبة خاصة أو مجموعة من الكتب النادرة، إنه فقدان لذاكرة تراكمت على مدى عقود، ولإرث فكري وإنساني يصعب ترميمه كما تُرمَّم الجدران أو يُعاد بناء المنازل.
وقصة مكتبة السيد الحسيني ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي تكشف وجهاً آخر لهذه الحرب، التي وُصفت بأنها حرب على الذاكرة والثقافة بقدر ما هي حرب على البشر والحجر. فإلى جانب الخسائر البشرية والعمرانية، امتد الدمار إلى أماكن حفظ المعرفة والتوثيق، مستهدفاً ما تختزنه من ذاكرة جماعية وتاريخ محلي.
وبحسب وزارة الثقافة اللبنانية، أدت الحرب إلى تدمير 13 مكتبة عامة في لبنان، بينها 5 مكتبات سُوّيت بالأرض، فيما تعرضت 8 مكتبات أخرى لأضرار جزئية، أو أقفلت وهُجرت نتيجة النزوح.
تأتي هذه الخسائر رغم الحماية التي يوفّرها القانون الدولي للمكتبات والممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة، ولا سيما بموجب اتفاقية لاهاي للعام 1954، التي تُعد المرجعية الأساسية لحماية التراث الثقافي، وتحظر استهداف المكتبات والأرشيفات ومراكز التوثيق والمخطوطات والوثائق النادرة. إلا أن الخسارة لم تقتصر على المكتبات العامة. ففي المنازل أيضاً، سقطت مكتبات شخصية وعائلية شكّلت على مدى عقود مستودعات للمعرفة والذاكرة.
"شعرت كإنني أنا من أصبت"
تدمر منزل الأستاذ الجامعي الدكتور وفيق ريحان في السادس عشر من نيسان في النبطية تحت القصف الإسرائيلي، ومعه انهارت سنوات طويلة من العمل الأكاديمي والبحثي، بعدما طال الدمار أيضاً مكتبته القانونية التي راكمها خلال أكثر من 40 عاماً.
كانت تلك المكتبة ثمرة مسار مهني وأكاديمي طويل، ضمّت أكثر من 500 كتاب قانوني في مختلف الاختصاصات، إلى جانب ما يزيد على 250 بحثاً علمياً ورسالة ماجستير وأطروحة دكتوراه، شكّلت مجتمعة مرجعاً أساسياً في عمله، ومصدراً يعتمد عليه طلاب وباحثون قصدوه على مدى سنوات.
لم تكن المكتبة بالنسبة إلى ريحان مجرد رفوف من الكتب، بل كانت امتداداً يومياً لعمله الأكاديمي ومساحته المهنية، حيث تلتقي المعرفة بالتطبيق، ويتحول البحث إلى ممارسة وخدمة عامة.
يقول لـ "المدن": "فقدت وسيلة عملي التي هي أيضا وسيلة تواصلي مع المجتمع". فبين جدران تلك المكتبة لم تكن تُخزَّن الكتب فحسب، بل تراكمت خبرة عمر كامل، وذاكرة مهنية تشكّلت بين المحاضرات والمراجع والاستشارات، قبل أن تُمحى في لحظة واحدة. ثم يختم قائلا: "عندما تدمرت المكتبة شعرت وكأنني أنا من أصبت. خسارة الكيان المعنوي أشد وقعاً من خسارة الممتلكات المادية. هناك أشياء لا يمكن لأي تعويض أن يعيدها".
مكتبة عائلية عمرها أكثر من ستين عاماً
"أول ما ورثته عن والدي كان حب الكتب، وأول وصية أوصاني بها هي ألا أحرم أحداً من كتاب". بهذه الكلمات يبدأ الدكتور منذر جابر روايته عن مكتبة عائلية لم تكن مجرد رفوف من الورق، بل كانت امتداداً لسيرة بدأت في ستينيات القرن الماضي في بنت جبيل، مع الأب الذي أورث أبناءه القراءة قبل أن يورثهم الكتب نفسها.
هناك، في منزل العائلة، وُلدت الحكاية مع أول كتاب دخل إلى المكتبة: نسخة من كتاب "العصر الجاهلي" لعبد الله العلايلي. كتاب واحد كان كافياً ليفتح باباً على مشروع معرفي امتد لعقود، تحول معه البيت تدريجياً إلى مكتبة عائلية كبرى تضم أكثر من 4 آلاف كتاب في التاريخ والأدب العربي والعلوم الإنسانية، إلى جانب مجموعات نادرة من الكتب المدرسية التي كانت تُدرّس في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وتحمل في صفحاتها ملامح زمن آخر.
اليوم، يقف الدكتور جابر عاجزاً عن معرفة مصير تلك المكتبة. لا إجابة واضحة لديه حتى الآن، سوى احتمالين قاسيين: أن تكون قد دُمرت تحت القصف، أو سرقت.
ويؤكد أن أهمية المكتبة لا تكمن في عدد الكتب فقط، بل في كونها تمثل ذاكرة عائلية متوارثة. ويختم: "الحديث عن هذه المكتبة ليس حديثاً عن ملكية فردية، بل عن مكتبة عائلة كاملة، وعن تاريخ طويل من المعرفة والقراءة والاقتناء".
"فقدت قطعة من نفسي"
"كل كتاب فيها كنت قد قرأته. لم تكن الكتب للزينة. لكل عنوان أثر في شخصيتي ومسار حياتي". بهذه الكلمات يبدأ الشاعر سليم علاء الدين وصف خسارته في كفرحمام، حيث تحولت مكتبته الخاصة إلى جزء من الدمار الذي خلفته الغارة الإسرائيلية.
في تلك البلدة، كانت الخسارة أكثر خصوصية. فالغارة لم تُدمّر المنزل بالكامل، لكنها أصابت الجزء الذي يحتضن مكتبته، تلك المساحة التي راكم فيها ما يشبه سيرته الثقافية الخاصة. من نحو 700 كتاب، لم ينجُ سوى حوالى 150، فيما تفرّقت البقية بين الركام أو ضاعت مع ما تبقّى من تفاصيل المكان.
بين الكتب المفقودة مؤلفات نادرة في السياسة والفلسفة والشعر والرواية، لكن ما يزيد وقع الفقدان ليس فقط ندرة العناوين، بل ما ارتبط بها من حياة شخصية. كتب حملت توقيعات أصحابها، وأخرى كانت هدايا من فنانيين مثل صباح، فبقيت شاهدة على علاقات وصداقات وذكريات.
يتوقف علاء الدين قليلاً قبل أن يضيف: "حين خسرتها شعرت بأنني فقدت قطعة من نفسي. يمكن إعادة بناء منزل، ويمكن إعادة زرع الأرض، لكن المكتبة أصعب بكثير. هناك أشياء لا تعود كما كانت مهما حصل أصحابها على تعويضات".
هكذا، بعيداً من أرقام الضحايا والمباني المهدمة، تكشف هذه الخسارات وجهاً آخر للحرب. فحين تسقط مكتبة، لا تُفقد الكتب وحدها، بل تتشظّى طبقات من الذاكرة الفردية والجماعية، وتمتد الخسارة إلى سنوات من القراءة والتوثيق والبحث. وفي بلد يعيش أصلاً أزمة مزمنة في حفظ أرشيفه وذاكرته، تبدو كل مكتبة مفقودة كأنها صفحة تُنتزع من قصة لبنان نفسه.