المصدر: نداء الوطن
الكاتب: جان الفغالي
الجمعة 4 أيلول 2026 07:32:26
منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، حاول "حزب الله" تقديم صورة مختلفة عن واقعه في سوريا: انتهى زمن التدخل العسكري، ولم تعد لـ"الحزب" بنية داخل الأراضي السورية. لكن الوقائع التي تتكشف تباعًا، من الجانب السوري تحديدًا، ترسم صورة أكثر تعقيدًا. فـ"الحزب"، حتى لو تراجع حضوره العسكري المباشر، يبدو أنه لم يخرج فعليًا من البيئة السورية التي شكلت جزءًا أساسيًا من بنيته اللوجستية والأمنية.
المؤشر الأبرز هو أن السلطات السورية الجديدة باتت تعلن بصورة متكررة عن ضبط شحنات أسلحة وذخائر مرتبطة بمسارات تهريب تمتد من سوريا إلى لبنان. ففي تموز الماضي، أعلنت دمشق إحباط محاولة تهريب شحنة كبيرة من الأسلحة النوعية عبر الحدود السورية- العراقية، وقالت إن التحقيقات الأولية أظهرت أنها كانت متجهة عبر الأراضي السورية إلى لبنان لصالح "حزب الله". وشملت الشحنة صواريخ بعيدة المدى، وصواريخ مضادة للدروع، وطائرات مسيّرة. "الحزب" نفى الاتهامات ووصفها بأنها روايات لا أساس لها.
لكن القضية لم تتوقف عند هذه الحادثة. فبعد أيام، أعلنت السلطات السورية إحباط محاولة أخرى لتهريب 226 قنبلة يدوية إلى لبنان عبر معبر جديدة يابوس. وفي آذار، كان الجيش السوري قد أعلن اكتشاف أنفاق على الحدود اللبنانية، في منطقة لطالما ارتبطت بشبكات التهريب ونقل السلاح.
لكن الأكثر دلالة أن تحقيقات أمنية وقضائية لبنانية كشفت عن توقيف سوريين ولبنانيين بتهمة إدخال مجموعات من السوريين إلى لبنان بطريقة غير شرعية ونقلهم إلى البقاع، حيث خضعوا لتدريبات عسكرية في معسكر لـ"حزب الله"، بهدف تنفيذ عمليات أمنية في الساحل السوري. هذه المعلومات، المنشورة نقلا عن مصادر قضائية، تفتح الباب أمام سؤال يتجاوز مسألة تهريب السلاح: هل تحوّل جزء من نشاط "الحزب" من الوجود داخل سوريا إلى إدارة شبكات عابرة للحدود تنطلق من لبنان.
هنا تحديدًا تبدو أهمية ما تكشفه السلطات السورية الجديدة. فالمسألة لم تعد تعتمد فقط على تقارير غربية تتحدث عن استمرار شبكات "حزب الله" في المنطقة. دمشق نفسها، تعلن عن عمليات ضبط متكررة لمسارات مرتبطة بـ"حزب الله".
صحيح أن "الحزب" ينفي وجود أي نشاط له في سوريا، لكن تكرار الوقائع يجعل النفي من دون صدقية. فحتى إذا افترضنا أن "الحزب" لم يعد يمتلك الانتشار العسكري الواسع الذي كان لديه في عهد الأسد، فهذا لا يعني بالضرورة أن بنيته اللوجستية وشبكات التهريب والارتباطات البشرية قد اختفت.
ربما يكون التعبير الأدق، إذًا، أن "حزب الله" لم يخرج من سوريا بقدر ما غيّر شكل حضوره فيها. من ميليشيا تقاتل علنًا إلى شبكة سرية، ومن وجود عسكري واسع إلى خطوط تهريب وتخزين وتدريب واتصال عبر الحدود. وما تكشفه السلطات السورية واللبنانية تباعًا يشير إلى أن سقوط الأسد أنهى مرحلة من نفوذ "الحزب"، لكنه لم ينهِ بالضرورة كل آثاره وشبكاته.