الحزب وإيران التزما خطا أحمر خلال زيارة عون!

لم يؤدّ اعلان إيران تعليق التفاهم بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية إلى استئناف الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل. فهذه النقطة لا تتصل بواقع أن الحزب لم يشارك في الأسبوع الأخير في حملة الدفاع عن إيران في ظل عودة الضربات العسكرية بينها وبين الولايات المتحدة، بل إن تعليق إيران التفاهم الذي يقول الحزب إنه أرسى وقفاً للنار بينه وبين إسرائيل وليس اتفاق الإطار الذي وقعه لبنان مع إسرائيل، لم يعد بالأمور إلى الوراء ما يشي بأن هذا الاتفاق يرخي بمفاعيله على الحزب كما على إسرائيل ولو من دون إعلان التزامه ذلك، علماً أن إيران لم توجه أي صواريخ إلى إسرائيل في إطار ردودها على الولايات المتحدة بل استهدفت دول الخليج والأردن.

يضاف إلى هذه النقطة توقعات كثر انتظروا تحريكاً محتملاً لجبهة الجنوب على خلفية سعي إيران إلى إفشال زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون إلى واشنطن، وتالياً إفراغ الزيارة من مضمونها من خلال تظهير أن قرار التزام وقف الحرب لا يزال يتعلق بإيران ويرتبط بالحزب أكثر من ارتباطه بقرار الدولة اللبنانية التي توجه عون إلى لقاء الرئيس الاميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض من أجل تأكيده وتثبيته.

ولكن تبين أن إيران تحاذر كثيراً إعادة إدخال إسرائيل في الحرب وإعطاءها ورقة قصفها إيران مجدداً أو مساعيها لإنهاء "حزب الله" في لبنان. وكان لافتاً جداً تصحيح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لهجمات لاذعة للمستشار الإيراني علي أكبر ولايتي على رئيس الوزراء العراقي وزيارته واشنطن باتصال أجراه بنظيره العراقي فؤاد حسين تحت عنوان أن "العلاقات بين البلدين ينبغي ألا تتأثر بالتصريحات الشخصية وغير الرسمية (...) "، ما يشي بتعدد الآراء والانقسامات في طهران.

شكل هذا التطور إطاراً مناسباً مساعداً لتزخيم زيارة عون إلى البيت الأبيض، فيما سجل مراقبون ديبلوماسيون غياب الاعتراض العملاني الفاعل لـ"حزب الله" على زيارة عون على الرغم من الحملات المقذعة ضد رئيس الجمهورية، ونتيجة متغيرات جذرية يمكن تقديرها بالمقارنة بين عنجهية الحزب وقدراته في 2011 حين فخخ أو بالأحرى نسف زيارة الرئيس سعد الحريري إلى البيت الأبيض وإفراغها من مضمونها، وبين عنجهيته الراهنة التي باتت مقتصرة على الصراخ عالي النبرة من دون مفاعيل تذكر لا في مساعي إسقاط الحكومة ولا في تسيير تظاهرات سيارة أو غيرها، تأكيداً لوجود اعتراضات كبيرة ينبغي أخذها في الاعتبار. إذ أربك تعليق إيران التزامها بنود مذكرة التفاهم الحزب وضيّق خياراته، كما ضيق خيارات الرئيس نبيه بري الذي منحه ذلك فرصة الخروج إلى مبدأ أنه لن يرفض وقفاً للنار أو انسحاباً إسرائيلياً من أي جهة يأتي.

 

والنقطة الأخرى التي زخّمت الزيارة هو موقف الإدارة الأميركية راهناً من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيما كان عون تلقى إشعاراً ملموساً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الاتصال الهاتفي الذي أجراه معه الرئيس الاميركي حول مدى استعداداته لضبط نتنياهو وردعه عن استمرار خرقه اتفاق الإطار الذي وقعته حكومته مع لبنان، ما وفر لعون ورقة قوية دافعة في اتجاه الطلب بتسريع حصول انسحاب إسرائيلي كامل من لبنان.

 

وقد فشلت مساعي نتنياهو لزيارة واشنطن قبل زيارة عون بيوم واحد، ما أتاح فرصة للبنان لشرح وجهة نظره من دون معوقات وضمان الاستعداد للدعم على الأقل استناداً إلى ما أعلنه وزير الخارجية ماركو روبيو، فيما أن الاتصال الذي أجراه رئيس الجمهورية بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من واشنطن وقبل عودته إلى بيروت، كان "رجع صدى"أميركيا بأن المساعدة على نهوض لبنان لا تقتصر على الولايات المتحدة وترتبط وثيقاً بالدول الخليجية وفي مقدمها المملكة السعودية التي تملك مفتاحاً أساسياً في هذا الإطار ويمكن أن تشكل حلقة مهمة جداً في حال التجاوب مع المساعي الأميركية في ما يتعلق بلبنان.

الزيارة مفصلية لكل من رئيس الجمهورية وللبنان على نحو أهم، علماً أنها ترتبط بما يمكن أن يحصله عون من دعم والتزام أميركي طويل المدى ومرافق عن كثب للبنان إلى جانب الدعم العملاني للجيش اللبناني ولجهود فصل لبنان نفسه عن صراعات المنطقة في مقابل ما يستطيع أن يقدمه من التزامات جدية ازاء نزع سلاح الحزب وأعادة بسط سيادة الدولة. والاعتبارات المرافقة لزيارة عون تسمح لمراقبين كثر بتسجيل ترقب وانتظار كبيرين يزيدان على حجم الدعم الذي يحظى به عملانياً في الداخل لا سيما مع تسجيل اداء رئاسي منفرد تقريباً يثير تحفظات بحيث يخشى بقوة أن تكون له انعكاساته أو تردداته السلبية في ظل ظروف صعبة وتعقيدات اقليمية لن تسلم بسهولة بهذا المسار على رغم البعد الوطني والنية الطيبة التي تحكم توجهات رئيس الجمهورية، ولكن قد لا تكون كافية وحدها على صعد متعددة. فزيارة واشنطن هي قمة ما يمكن أن ينجزه الرئيس في تحصيل ما يمكنه تحصيله في هذه المرحلة، فيما المسار طويل والتحديات كبيرة وكذلك المتغيرات.