"الحقيقة الأقوى من الرصاص" تصير عندنا رصاصاً عشوائياً

في اليوم العالمي لحرّية الصحافة، في 3 أيار من كل عام، أكد المفوّض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن الصحافيين "لا يزالون صامدين، يُغطّون الأحداث في أقسى الظروف، حتى من أسرّة المستشفيات والكراسي المتحركة. إنهم يؤمنون بأن الحقيقة أقوى من الرصاص، وتستحق النضال من أجلها".

وطرح تورك سؤالاً: كيف سيبدو عالم خالٍ من الصحافة الحرة؟ واستدرك مجيباً أن غياب الصحافة الحرة سيقود إلى "عالم تسوده اللامبالاة، حيث يُقابل العنف بالصمت، وحيث تصبح الحقيقة قابلة للمساومة". وأكد أن الصحافة الحرة تُعدّ "بمثابة الأوكسجين الذي تتنفسه المجتمعات الحرة والمنفتحة".

وإن كنا من المدافعين عن حرية الصحافة، بل عن حرية التعبير لكل إنسان، قبل أن يكون صحافياً، فإن من الضروري أيضاً، القيام بمراجعة نقدية ذاتية لحرية الإعلام، وممارستها، والتحصّن بها، سواء عبر الإعلاميين، أو عبر منتحلي الصفة، وصولاً إلى تحوّل كل مواطن إلى إعلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تشهد عنفاً متزايداً في التعبير والتهديد والفضح، يتجاوز كل ما يمكن أن يصنّف حرية إعلامية، لأنه كالرصاص الطائش يصيب ويقتل من دون تحديد هدف واضح، ومن دون قياس التبعات الناشئة من تلك الحوادث.  

ما شاهدناه في لبنان في اليومين الماضيين، من إساءة متعمدة للبطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، رداً على تقرير متلفز حُذف بعد تدخل القضاء، يؤكد أن الحرية تجاوزت حدودها، بل إنها وفق المثل الشعبي "السلاح في يد الجاهل بيجرح"، إذ بات التجريح يحصل في مستوى متدنٍّ من قلة الأخلاق، والأخطر قلة المسؤولية، لأن مضاعفات تلك التصرفات غالباً ما تكون عميقة في المجتمع. 

وهنا عودة الى ما اعتبره تورك "الحقيقة أقوى من الرصاص"، إذ اعتبر أن الحرية هي "بمثابة الأوكسجين الذي تتنفسه المجتمعات الحرة والمنفتحة". لكن تورك نفسه سيجد صعوبة بالغة في الإجابة عن سؤال حول ما إن كانت المجتمعات "غير حرة وغير منفتحة"، بل محكومة بالجهل والتعصّب والتبعية والانقياد الى أحقاد وعقد. ماذا يكون مصير الحرية؟ ومصير الناس؟ ومصير المجتمعات؟ 

الحروب الإلكترونية تحصل حتى تاريخه عبر الشاشة، وفيها تنفيس للاحتقان، لكن الخوف من أن تتوسّع، وتبلغ حروب الشوارع.